|
تعتز الأمم الحية وتفتخر بقادتها العظماء، وتنسب إليهم حضارتها وتقدمها بين أمم
العالم، وتبقي على ذكراهم حية في نفوس الأتباع والأجيال. بل تذهب إلى تخليدهم
من خلال إقامة النصب لهم عرفانا بدورهم واعترافا بفضلهم.
ويتم هكذا تكريم لزعماء سياسيين أو قادة دينيين أو علماء في شتى ميادين العلم
أو مفكرين يثرون فكر أممهم وفق ما يعتقدون بأنه النافع لهم والرافعة التي تنهض
بحضارتهم. وهذا على مستوى أمم الأرض جميعها.
وأما فيما يخص أمتنا الإسلامية التي تميزت بحمل الرسالة الخاتمة للرسالات
السماوية التي بعث الله بها نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم للثقلين وللأبيض
والأسود وللعرب والعجم وللإنس والجن"
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
رَحْمَةً
لِّلْعَالَمِينَ"
(الأنبياء:107).
فان الشخصية المتميزة في هذه الأمة هي شخصية الرسول الأسوة التي لا يرقى إلى
مستواها أو يقترب من مزاياها كائن من البشر حتى الصحابة رضوان الله عليهم
الذين خرجتهم مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم والذين اكتسبوا كثيرا من أخلاقه
ونفذوا تعاليم دينه كما بلغه عن ربه جل وعلا.
انه بشر لكنه رسول أكمل الله خَلقه وخُلقه فلم يدانيه في ذلك أحد فهو حبيب رب
العالمين وإمام الأنبياء والمرسلين.
وقدوة وأسوة لأمة الإسلام والمسلمين ورسول الله للعالمين وفي هذه الأيام التي
اشتدت فيها الهجمة على الإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام تشويها
وتحريفا وإساءة تحت ستار حرية الرأي والتعبير ضاربة عرض الحائط بما تسببه هذه
الإساءات من جرح لمشاعر المسلمين وإيذاء عقيدتهم .فأني رأيت من أوجب الواجبات
أن أدلي بجهد المقل في بيان بعض جوانب الأسوة بهذا الرسول الكريم صلى الله عليه
وسلم من خلال صحيفة القدس الغراء ليتعرف المسلم قبل غيره على مكانة هذا النبي
الكريم ويتأسى بهديه الشريف وسيرته العطرة هذه السيرة التي تزيد المحب حبا
والمقتدي تمسكاً والجاهل معرفة كما ترسم طريق الخير للعاملين الذين يحرصون أن
يكون عملهم كاملا أو قريبا من الكمال والله لا يكلف نفسا إلا وسعها .وقد دعانا
للتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في
قوله تعالى :"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"(الأحزاب:21) فليكن
التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلنا ورائدنا إلى كل خير، وما أحرانا
ونحن
نستقبل عاما هجريا جديدا ان نأخذ درسا من دروس الهجرة النبوية الشريفة وهو درس
المآخاة بين المهاجرين والأنصار فما إن حل النبي صلى الله عليه وسلم ارض
المدينة المنورة دار هجرته حتى آخى بين المهاجرين والأنصار الذين نصروا الله
ورسوله واستقبلوا المهاجرين بكل ترحاب ومودة. وقد جعل الرسول الأسوة صلى الله
عليه وسلم من المآخاة بين المهاجرين والأنصار أحد الأسس الثابتة والقواعد
الراسخة في بناء مجتمع المدينة المنورة حيث المسلمون أمة من دون الناس تربطهم
العقيدة التي ذابت في بوتقتها كل الأواصر والروابط فما أحوجنا إلى هذا الدرس
العظيم من دروس الهجرة ونحن نرى أبناء الوطن الواحد والدين الواحد يتقاتلون
يوجهون سلاحهم إلى صدر الوطن والمواطن ليسيل الدم الذي حرمه الله ورسوله على
أرض فلسطين والعراق ولبنان وغيرها من ديار المسلمين فأين نحن من سيرة النبي صلى
الله عليه وسلم ومن نهج أصحابه الكرام الذين تآخوا في الله وتقاسموا رغيف العيش
بل وصل الأمر بهم إلى قسمة الأهل والمال بين بعضهم بعضا.
ألستم يا أبناء فلسطين من أحفاد هؤلاء الكرام من الصحابة الذين آخى بينهم
رسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم فكانوا نموذجا يحتذى ويقتدى بسيرتهم وأخلاقهم
التي اكتسبوها من الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم.
|