|
في
مقام القدوة الحسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أسرى به ربه من
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله فيه، وبارك حوله تثور أسئلة
كثيرة في ذهن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفة أهمية هذا
المسجد والديار المباركة حوله، وكيفية تحصيل الثواب من خلال الزيارة لهذا
المسجد العظيم أو الإسهام بالمحافظة عليه اعمارا وتعميرا.
يأتي سؤال ميمونة رضي الله عنها
مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قلت يا رسول الله " أفتنا في بيت المقدس؟
قال: أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قلت:
أرأيت ان لم أستطع أن أتحمل إليه. قال: فتهدي له زيتا يسرج فيه، فمن فعل ذلك
فهو كمن أتاه "
أخرجه ابن ماجه في سننه.
من هذا الحديث الشريف والهدي النبوي
الكريم يبدو واضحا لكل مسلم أهمية هذه الديار ومكانة مسجدها المبارك على
امتداد التاريخ الإسلامي، إذ شغل المسجد الأقصى مساحة من عقيدة المسلمين من
خلال معجزة الإسراء والمعراج التي يعتبر المسجد الأقصى المبارك محورها.
فبالإضافة إلى كونه نهاية رحلة الإسراء فهو بداية رحلة العروج بالنبي عليه
الصلاة والسلام إلى السموات العلى.
وهو بوابة الأرض إلى السماء كما أن
الإسراء بالنبي عليه الصلاة والسلام إليه وجّه أنظار المسلمين نحوه وأدركوا
أن أرض القدس وفلسطين هي أرض إسلامية ارتبطت بعبادة المسلمين كون المسجد
الأقصى قبلتهم الأولى، ومعلوم أن الصلاة وهي عمود الدين وأحد الأركان التي قام
عليها الإسلام فرضت في سماء القدس ليلة الإسراء والمعراج خمساً في العمل خمسين
في الأجر، أي الحسنة بعشر أمثالها. ويزداد الثواب متى تؤدّى الصلاة في المسجد
الأقصى إلى ألف صلاة أو خمسمائة كما ورد في الأحاديث الشريفة. وإذا كانت أرض
بيت المقدس لها هذا الدور العظيم في الحياة الدنيا فإن هذا الدور عظيم كذلك في
اليوم الأخر فهي أرض المحشر والمنشر " يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ
الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ"( إبراهيم:48)
.
حيث تقف جميع الخلائق للحساب ليصير
أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، نسأل الله العفو والعافية وأن
يشملنا برحمته وغفرانه إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
وإذا عدنا إلى مزيد من بيان أهمية هذه
الديار ومسجدها في حياة المسلمين وجدنا أن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في
توجيه المسلمين نحو هذه الديار بدأ مبكراً.
فقد وجه الصحابة الكرام في غزوة مؤتة
نحو هذه الديار وتبعتها غزوة تبوك، وأصدر أبو بكر رضي الله عنه أمراً بتوجيه
جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى بلاد الشام للوصول إلى القدس ليتبعه جيش
أمين الأمة أبو عبيدة في خلافة الفاروق عمر لفتح الشام وبيت المقدس التي تسلم
مفاتيحها خليفة المسلمين عمر يوم حضر من المدينة المنورة إلى مدينة القدس
المقدسة ويؤذّن بلال رضي الله عنه في مسجدها الأقصى المبارك معلناً كلمة
التوحيد مدوية في ربوعها وتشق عنان سماءها إيذانا بانتصار الحق وانهزام الباطل.
ومنذ ذلك الزمن حرص المسلمون على
رعاية القدس ومقدساتها فبنوا المسجد الأقصى المسقوف وشيدوا قبة الصخرة المشرفة
وأقاموا القباب والمصاطب والأسبلة والآبار والأروقة المحيطة بالمسجد والعمائر
والمدارس لخدمة الإسلام والمسلمين وإعمار المسجد الأقصى وإسراج قناديله بنور
العلم والمعرفة تأسيا بالرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم الذي أمر بإتيان هذا
المسجد والصلاة فيه والمحافظة على إعماره بزيت يسرج في قناديله فهلا كنتم يا
أبناء ديار الإسراء والمعراج هذه القناديل المضيئة في المسجد الأقصى في وقت ساد
فيه الظلم والظلام في رحاب القدس والأرض المباركة.
وهلا عملت الأمة بمجموعها بهذا الهدي
الكريم ليبقى المسجد الأقصى منيراً مضيئاً عامراً بالإسلام والمسلمين يدفعون
عنه غوائل العدوان وعتو المعتدين. |