بسم الله الرحمن الرحيم

الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم "29"

Text Box: الشيخ محمد حسين
المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية
www.darifta.org
        الشيخ محمد أحمد حسين
   المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية
WWW.DARIFTA.ORG
 
ال
 

 يبين ركنية الصيام

 

 25/شعبان/1428هـ وفق 7/9/2007م

ونقرأ من جوامع كلم الرسول الأسوة عليه الصلاة والسلام قوله :"بني الإسلام على خمس. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وحج البيت. وصوم رمضان" صحيح مسلم.

 في هذا الهدي النبوي الشريف يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أركان هذا الدين العظيم الذي يبدأ بالإقرار بالإلوهية والربوبية لله وحده لا شريك له، وبرسالة الأنبياء والمرسلين من خلال الإقرار والإيمان برسالة النبي الكريم سيدنا محمد عليه وعلى رسل الله أجمعين أفضل الصلاة وأتم التسليم.

ثم يبين العبادات المفروضة على المسلمين وهي الصلاة والزكاة والحج والصوم ، والصوم هو العبادة التي يؤديها المسلمون في شهر رمضان الفضيل من كل عام ، هذه العبادة التي كتبت على الأمم السابقة ، فإنه ما من أمة إلا وأمرت بعبادة الصوم ، لذلك جاء السياق القرآني فأكد هذه الحقيقة :(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)البقرة 183. ولعل الغاية المرجوة من هذه العبادة أيضاً قد أشار إليها القرآن الكريم بوضوح:(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

فالصيام يثمر التقوى، وكيف لا وهو عبادة أبعد ما تكون عن الرياء أو التظاهر بالصلاح؛ لأنها سر بين العبد وربه، فالصائم يمسك عن الطعام والشراب، وسائر منغصات هذه العبادة من غيبة ونميمة وسوء خلق؛ لأن الصائم يقبل على مائدة الرحمن ليتزود منها بالتقوى، التي تقيه من الوقوع في المحرمات وفي مقدمتها الإفطار في أيام رمضان لمن يعرض والعياذ بالله عن مائدة الرحمن اتباعا لشهواته ونزواته، ولا يمتثل لأمر الله بالتزام الصيام في أيام هذا الشهر الفضيل الذي لو عرف الناس قدره ومقداره عند الله تعالى لتمنوا أن يكون العام كله رمضان .

وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحث المسلمين على صيام هذا الشهر، فعن أبي هريرة قال: لما حضر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(قد جاءكم رمضان ، شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنة ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه الشياطين ، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ) رواه أحمد.

 ومن خيرات هذا الشهر أن الشياطين فيه تصفد ، وتفتح فيه أبواب الجنة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:(إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ‏ ‏صفدت ‏‏الشياطينومردة ‏ ‏الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا‏ ‏باغي‏ ‏الخير أقبل، وياباغي ‏ ‏الشر ‏ ‏أقصر،ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) سنن الترمذي.

 كما أن الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:(الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال : فيشفعان) مسند أحمد.

 وحسب الصائم كرامة أن خلوف فمه وهي الرائحة التي تكون لفم الصائم نهاراً ، مثل المسك عند الله تعالى "ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". كما أن للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحه عند لقاء ربه . ففرحة الفطر تكون عاجلة ، وهي الفرحة التي تغمر الصائم وقد أعانه الله على أداء صوم يومه ، ووصل إلى موعد الفطر عند الغروب، ليجتمع مع أهله على مائدة الإفطار مائدة الرحمن التي أعدها الله لعباده الصالحين فيفرح لتوفيق الله له على أداء العبادة ، وإذا كان اليوم الآخر ورأى الصائم ما لعباده الصائمين في دار كرامته فرح الفرحة الأخرى . وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الشريف إلى أن في الجنة باباً يسمى الريان يدخل منه الصائمون . فقد ورد : ( إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد ) رواه البخاري ومسلم .

وحتى يكون الصيام مقبولا عند الله تعالى فعلى الصائم أن يراعي شروط وآداب الصيام . فيمسك قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن الطعام والشراب وشهوة الفرج، وهذا هو ركن الصوم . كما يتجنب اللغو والغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:(‏من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) مسند أحمد.وان يبتعد عن الشتيمة والسباب والفسوق فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول:(‏‏ ‏الصيام ‏‏جنة،فلا‏ ‏يرفث‏ ‏ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده ‏ ‏لخلوف ‏ ‏فم الصائم أطيب عند الله - تعالى - من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي،‏ ‏الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها ) رواه البخاري .

فاقبلوا أيها المسلمون على مائدة الرحمن في شهر رمضان بنفس زكية، وهمة علية، ونية صادقة حتى تُحصّلوا جائزة الرحمن ؛ تقوى في الدنيا ورضى في الآخرة. وسكن إن شاء الله في جنة عالية ندخل وإياكم من باب الريان برحمة الله وقبوله، إكراماً لشهر رمضان وامتثالاً لأمر الرحمن بأداء عبادة الصيام.

 اللهم بلغنا رمضان سنين عديدة، وأعواما مديدة حتى نعبدك على النحو الذي يرضيك يا أكرم الأكرمين، ويا رحمن السموات والأرض ورحيمهما، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، واجعلنا اللهم من يقتدي ويهتدي بهدي رسولك الأسوة صلى الله عليه وسلم في صيامنا وقيامنا وجميع شؤون حياتنا، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الخلق أجمعين وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.