|
عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال:
(أَحَبُّ الْبِلادِ إلى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ
إلى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا).
(صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل الجلوس في مصلاه بعد
الصبح وفضل المساجد)
يشير الرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث
الشريف إلى مكانة المساجد عند الله تعالى، فهي أحب البلاد إليه، وهي
بيوته في الأرض، التي أذن بها أن ترفع ويذكر فيها اسمه، مصداقاً لقوله
تعالى في محكم التنزيل: {فِي بُيُوتٍ
أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ
فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ
وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء
الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
وَالأَبْصَارُ}.
(النور: 36-37)
والمساجد تبنى لعبادة الله وحده، فينبغي الحرص
على ذكره سبحانه فيها دون سواه، استجابة لقوله تعالى:
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا
مَعَ اللَّهِ أَحَداً}.
(الجن: 18)
ومعلوم أن أول المساجد التي أقيمت في ربوع
الدنيا هو المسجد الحرام في مكة المكرمة، ثم تلاه المسجد الأقصى
المبارك في القدس، فعن أَبَي ذَرٍّ، رضي الله عنه، قال:
(قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلَ؟!
قال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قال: قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: الْمَسْجِدُ
الأَقْصَى؟ قلت: كَمْ كان بَيْنَهُمَا؟ قال: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ
أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ، فَصَلِّهْ، فإن الْفَضْلَ
فيه).
(صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى:{ووهبنا لداود
سليمان نعم العبد إنه أواب})،
ثم كانت مساجد الله في الأرض منارات للذكر والعبادة، وهي من أبرز
الدلالات على إسلامية الأرض ووجود المسلمين، وفي ظل الهجمة الشرسة التي
تشن على المساجد من قبل زمرة من الحاقدين الطاغين، يجدر استذكار ما
يمكن عمله من قبل المسلمين لحماية مساجدهم ورعايتها، والإعلان عن توثيق
الصلة بها، ويشمل ذلك الحث على عمارتها عمرانياً وتعبدياً، وتعلقاً
بها، ومدارسة العلم والقرآن فيها، وتكثيف الوجود فيها، وإطالة المكث،
وشد الرحال إلى أمهاتها.
فضل العمارة المادية
للمساجد
لقد خص الله المؤمنين بإعمار المساجد، فقال
تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ
اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ
وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ
أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ}.
(التوبة: 18)
وجاء هذا التخصيص والإفراد للمؤمنين بعمارة
المساجد، تبعاً لحجبها ومنعها عن الحاقدين الكافرين، فليس لهم نصيب من
عمارة المساجد لأنهم خسروا أعمالهم وأوردوا أنفسهم الهلاك، فقال
تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن
يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}.
(التوبة: 17)
ومن أنواع العمارة التي يؤديها المؤمنون
للمساجد، العمارة المادية والعمرانية، وفي فضل هذه العمارة المادية
يروي عُثْمَان بن عَفَّانَ، أنه سمع النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول:
(من بَنَى مَسْجِدًا، قال بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قال: يَبْتَغِي
بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى الله له مثله في الْجَنَّةِ).
(صحيح البخاري، كتاب أبواب المساجد، باب من بنى مسجداً)
فضل عمارة المساجد
بالعبادة والعلم
إن من أبرز أنواع الإعمار التي يؤديها المؤمنون
للمساجد، قيامهم بعباده الله فيها؛ صلاةً وقياماً واعتكافاً وتدارساً
للعلم والقرآن، وفي فضل ذلك، يروي أبو هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله
عليه وسلم، قال: (من غَدَا إلى
الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ الله له نُزُلَهُ من الْجَنَّةِ كُلَّمَا
غَدَا أو رَاحَ).
(صحيح البخاري، كتاب الجماعة والإمامة، باب فضل من غدا إلى المسجد
وراح)
وورد التشجيع على أداء صلاة الجماعة في المساجد،
في أحاديث ومناسبات عديدة وأحوال كثيرة، منها ما جاء في بيان فضل صلاة
الجماعة، فعن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله
عليه وسلم، قال: (صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
تَفْضُلُ صَلاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً).
(صحيح البخاري، كتاب الجماعة والإمامة، باب وجوب صلاة الجماعة)
وفي رواية أخرى يقول أبو هُرَيْرَةَ: قال رسول
اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم:(صَلاةُ
الرَّجُلِ في الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ على صَلاتِهِ في بَيْتِهِ وفي
سُوقِهِ خمسة وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذا تَوَضَّأَ،
فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ
إلا الصَّلاةُ، لم يَخْطُ خَطْوَةً إلا رُفِعَتْ له بها دَرَجَةٌ،
وَحُطَّ عنه بها خَطِيئَةٌ، فإذا صلى؛ لم تَزَلْ الْمَلائِكَةُ
تُصَلِّي عليه ما دَامَ في مُصَلاهُ، اللهم صَلِّ عليه، اللهم
ارْحَمْهُ، ولا يَزَالُ أحدكم في صَلاةٍ ما انْتَظَرَ الصَّلاةَ)(صحيح
البخاري، كتاب الجماعة والإمامة، باب وجوب صلاة الجماعة)
وفي التشجيع على المسارعة لأداء الصلاة جماعة،
والسبق إلى الصف الأول فيها، يروى عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال:
(...لو يَعْلَمُ الناس ما في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ
لم يَجِدُوا
إلا أَنْ يَسْتَهِمُوا لاسْتَهَمُوا عليه، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في
التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إليه، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في الْعَتَمَةِ
وَالصُّبْحِ، لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا).
(صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الاستهام في
الأذان)
وعن عبد اللَّهِ، قال:
(من سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا
مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ على هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ، حَيْثُ يُنَادَى
بِهِنَّ، فإن اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ، صلى الله عليه وسلم،
سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ من سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ
صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكُمْ كما يُصَلِّي هذا الْمُتَخَلِّفُ في
بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ
سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وما من رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ
فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إلى مَسْجِدٍ من هذه
الْمَسَاجِدِ ،إلا كَتَبَ الله له بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا
حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بها دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عنه بها سَيِّئَةً،
وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا، وما يَتَخَلَّفُ عنها إلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ
النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كان الرَّجُلُ يؤتي بِهِ يُهَادَى بين
الرَّجُلَيْنِ حتى يُقَامَ في الصَّفِّ).
(صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صلاة الجماعة من سنن
الهدى)
وفي فضل عمارة المساجد بالذكر وتدارس العلم؛
يقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: (...
وما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ من بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ
اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلا نَزَلَتْ عليهم
السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ
الْمَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ
بِهِ عَمَلُهُ، لم يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ).
(صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع
على تلاوة القرآن وعلى الذكر)
ويوجه الرسول، صلى الله عليه وسلم، المسلمين إلى
الحرص على أن تتعلق قلوبهم في المساجد ليكونوا من السبعة الذين يظلهم
الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فعن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي، صلى الله
عليه وسلم، قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ
الله في ظِلِّهِ يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ؛ الإِمَامُ الْعَادِلُ،
وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في
الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمَعَا عليه،
وَتَفَرَّقَا عليه، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ
وَجَمَالٍ، فقال: إني أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى،
حتى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ
اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ).
(صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين)
شد الرحال إلى أمهات
المساجد
وإذا كان فضل عمارة مطلق المساجد عظيم، فإنها
للمساجد التي تشد إليها الرحال أعظم، وتلك المساجد محددة في الحديث
الذي يرويه أبو هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه
وسلم، قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا
إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ
الرَّسُولِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى).
(صحيح البخاري، كتاب أبواب التطوع، باب فضل الصلاة في مسجد مكة
والمدينة)
وفي تمييز المساجد التي تشد إليها الرحال بالفضل
ومزيد الأجر والثواب لمن يأتيها ويصلي فيها، ما روي عن أبي هُرَيْرَةَ،
رضي الله عنه، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:
(صَلاةٌ في مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ من أَلْفِ
صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ).
(صحيح البخاري، كتاب أبواب التطوع، باب فضل الصلاة في مسجد مكة
والمدينة)
وقد ربط الله تعالى مسجده الأقصى بمسجده الحرام
في رباط عقائدي تمثل قي كون الأقصى قبلة المسلمين الأولى، والمسجد
الحرام مستقر القبلة، وأنه سبحانه أسرى بعبده ورسوله، صلى الله عليه
وسلم، في رحلة الإسراء العظيمة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى،
وثبت خبر هذه الآية العظيمة في القرآن الكريم الذي يتعبد المسلمون
بتلاوته، والإيمان به والعمل بمقتضاه، فقال تعالى:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
(الإسراء:1)
حمى الله مساجدنا من كيد أعداء الدين وعبثهم، وهدانا الله لنكون من
حماة مساجده وعُمّارها، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله محمد، وعلى آله
وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. |