بسم الله الرحمن الرحيم

الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم "251"

يحذر من النميمة

 

 
 

 عن هَمَّامِ بن الْحَارِثِ قال: كنا جُلُوسًا مع حُذَيْفَةَ في الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ رَجُلٌ حتى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هذا يَرْفَعُ إلى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ، فقال حُذَيْفَةُ -إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ-: سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ). (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة)

فالرسول، صلى الله عليه وسلم، يحذر من سلوك النميمة، كونه مشيناً، يجر على النمَّام ويلات الخزي والعار في الدنيا، وسوء العاقبة في الآخرة، إضافة إلى ما يحدثه هذا السلوك السلبي من شرخ في العلاقات بين الناس، واضطراب في نسيجهم الاجتماعي، بل قد يجر عليهم الجرائم والاقتتال والتدابر والتناحر، بسبب التأليب الذي يؤججه بينهم وفيهم.

مفهوم النميمة وحكم نقل القول

جاء في فتح الباري إن "القتّات" هو النمَّام، ووقع بلفظ "نمَّام" في روايات أخرى، وقيل الفرق بين القتّات والنمَّام؛ أن النمَّام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتّات الذي يتسمع من حيث لا يعلم به، ثم ينقل ما سمعه. (فتح الباري، 10/473)

وورد في إحياء علوم الدين للغزالي، أن اسم النميمة في الأصل، إنما يطلق على من ينّم قول الغير إلى المقول فيه... وليست النميمة مختصة به، بل حدها كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو غيرهما، وسواء كان الكشف بالقول أم بالكتابة أم بالرمز أم بالإيماء، وسواء كان المنقول عن الأعمال أم من الأقوال، وسواء كان ذلك عيباً ونقصاً في المنقول عنه، أم لم يكن...  وإذا رآه يخفي مالاً لنفسه فذكره، فهو نميمة. (إحياء علوم الدين،3/214، بتصرف)

ويعقب الإمام النووي على حكم النميمة، فيقول: "وكل المذكور في النّميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعيّة، فإن دعت حاجةٌ إليها فلا منع منها؛ وذلك كما إذا أخبره بأن إنساناً يريد الفتك به، أو بأهله، أو بماله، أو أخبر الإمام، أو من له ولايةٌ بأنّ إنساناً يفعل كذا، ويسعى بما فيه مفسدة. ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته. فكلّ هذا وما أشبه ليس بحرامٍ، وقد يكون بعضه واجباً، وبعضه مستحباً على حسب المواطن، والله أعلم".(صحيح مسلم بشرح النووي،1/313)

الفرق بين النميمة والغيبة

ورد في فتح الباري لابن حجر العسقلاني أنه اختلف في الغيبة والنميمة، هل هما متغايرتان أو متحدتان. والراجح التغاير، وأن بينهما عموماً وخصوصاً وجهياً، وذلك لأن النميمة نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه، واشتركتا فيما عدا ذلك، ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائباً، والله أعلم. (فتح الباري، 10/667)

توجيه لمن حملت إليه النميمة

عن الإمام الغزالي أنه ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدق من نمَّ له، ولا يظن بمن نمَّ عنه ما نقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وأن ينهاه، ويقبح له فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وأن لا يرضى لنفسه ما نهى النمَّام عنه، فينمّ هو على النمَّام، فيصير نمَّاماً. (إحياء علوم الدين،3/214)

وفي نصح من حُمِلَت إليه النميمة، يقول الشاعر:

من يخبرك بشتم عن أخ
ذاك شيء لم يواجهك به    
 

فهو الشاتم لا من  شتمك
إنما اللوم على من أعلمك
 

ويقول آخر:

لا تقبلـن نميمـة بُلِّغتهـا
 إن الذي أهدى إليك نميمة
 

وتحفَظَّن من الذي أنبأكها
سينم عنك بمثلها قد حاكها
 

وذكر أن حكيماً من الحكماء زاره بعض إخوانه، فأخبره بخبر عن بعض أصدقائه، فقال له الحكيم: قد أبطأت في الزيارة، وأتيت بثلاث جنايات؛ بغضت أخي إليّ، وشغلت قلبي الفارغ، واتهمت نفسك الأمينة... وقال رجل لعمرو بن عبيد: إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشرٍّ، فقال له عمرو: يا هذا، ما رعيت حق مجالسة الرجل، حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أدّيت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره، ولكن أعلمه أن الموت يعمنا، والقبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والله تعالى يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين.(إحياء علوم الدين، 3/215-216)

ذم النميمة وعقابها

ذكر الله المشاء بالنميمة في سياق عرض صفات من توعده بأن يسمه على الخرطوم، فقال تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ* هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ* أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ* سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ}. (القلم: 10-16)

كما بين القرآن الكريم أن من صفات امرأة أبي لهب، أنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس، وكنّى عن ذلك بحمل الحطب، وفي صحيح البخاري، بَاب{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ}، قال مُجَاهِدٌ: {حَمَّالَةُ الْحَطَبِ}:  تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ {في جِيدِهَا حَبْلٌ من مَسَدٍ}: يُقَالُ من مَسَدٍ لِيفِ الْمُقْلِ، وَهِيَ السِّلْسِلَةُ التي في النَّارِ". (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ})

وبين الرسول، صلى الله عليه وسلم، بشاعة النميمة وفظاعتها من خلال ذكر مصير صاحبها، فالله تعالى حرم عليه الجنة، ففي صحيح مسلم، تحت بَاب (بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ)، ورد عن حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً يَنُمُّ الحديث، فقال حُذَيْفَةُ: سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نمَّام). (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ)

وبالإضافة إلى بيان الرسول، صلى الله عليه وسلم، لمدى فظاعة النميمة، من خلال ذكر عقاب صاحبها في الآخرة، فإنه يشير إلى عقاب النمّام في قبره، فعن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: (مَرَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، بِحَائِطٍ من حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أو مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: يُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، ثُمَّ قال: بَلَى كان أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ من بَوْلِهِ، وكان الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ على كل قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ له: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قال: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عنهما ما لم تَيْبَسَا، أو إلى أَنْ يَيْبَسَا". (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب النميمة من الكبائر)

أدبيات في ذم النميمة والنمّام وبيان مفاسدهما

مما قيل في النميمة والنمَّام، إن النمَّام شرٌّ من الساحر، ويعمَل النمَّام في ساعة ما لا يعمل الساحر في سنة.(كتاب الفروع، ج6، ص 170).

ويقال: "عمل النمَّام أضرُّ من عمَل الشيطان؛ لأنّ الشيطان بالخيالِ والوسوَسة، وعملُ النمَّام بالمواجهة والمعاينة". (عن كتاب الزواجر، ج2، ص572)

ومن الشعر الوارد في النميمة، قول الشاعر:

تنح عن النميمة واجتنبها
يثير أخو النميمة كل شر   
ويقتل نفسه وسواه ظلماً   
 

فإن النمّ يحبط كل أجـر
ويكشف للخلائق كل سر
وليس النم من أفعال حر

 

ورحم الله من قال:

من نم في الناس لم تؤمن عقاربه
كالسيل بالليل لا يدري به أحد
الويل للعهد منه كيف ينقضه

على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
من أين جاء ولا من أين يأتيه
والويل للود منه كيف يفنيه
 

ومن القصص التي تروى في شر النمَّام، ما جاء عن حماد بن سلمة أنه قال: إنَّ رجلاً باع غلامًا عنده، فقال للمشترِي: ليس فيه عيب إلا أنه نمَّام، فاستخفَّه المشتري، فاشتراه على ذلك العيب، فمكث الغلام عند المشترِي أيامًا، ثم قال لزوجةِ مولاه: إنّ زوجَك لا يحبّك، وهو يريد أن يتسرَّى عليكِ، أفتريدين أن يعطف عليك؟ قالت: نعم، قال لها: خُذي الموسَى واحلقي شعراتٍ من باطن لحيتِه إذا نام، ثم جاء إلى الزوج، وقال: إنّ امرأتَك اتَّخذت صاحبًا، وهي قاتِلتُك، أتريد أن يتبيَّن لك ذلك؟ قال: نعم، قال: فتناوَم لها، فتناوَمَ الرجلُ، فجاءت امرأته لتحلِق الشعرات، فظنَّ الزوج أنها تريدُ قتلَه، فأخذ منها الموسَى فقتَلَها، فجاءَ أولياؤها، فقتَلوه، وجاءَ أولياءُ الرجل، ووقعَ القتال بين الفريقين، فلذلك سمى الله النمّام فاسقاً، في قوله تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات:6){(إحياء علوم الدين، 3/217، وكتاب الكبائر، ج1، ص162)

وهكذا يفسد النمَّام الود بين الناس، ويدمر العلاقات الطيبة بينهم، أحياناً لمصالح يطمح إلى تحقيقها، وأحياناً كثيرة تبرعاً منه للشيطان، تمشياً مع تفاقم نار الشر في فكره وعقله وقلبه، فهو يهوى الفساد والإفساد تماماً كحال سيده الشيطان، الذي أخبر الله تعالى عنه، فقال سبحانه:{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ* قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ}.(الأعراف:16-18)

أعاذنا الله تعالى من شر النميمة والنمَّاميين، من أن نكون منهم، أو أن نكتوي بنار شرهم وإفسادهم، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا الأسوة محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.