بسم الله الرحمن الرحيم

الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم "252"

يرفق بالأبناء ويُحسن رعايتهم

   4/ربيع الأول/1433هـ وفق 27/1/2012م

عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال:(قَبَّلَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْحَسَنَ بن عَلِيٍّ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بن حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فقال الأَقْرَعُ: إِنَّ لي عَشَرَةً من الْوَلَدِ، ما قَبَّلْتُ منهم أَحَدًا، فَنَظَرَ إليه رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قال: من لا يَرْحَمُ؛ لا يُرْحَمُ". (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته)

فالرسول، صلى الله عليه وسلم، يبدي عاطفة جياشة نحو حفيده الحسن بن علي، رضي الله عنهما، فيقبله كما يفعل الآباء مع أبنائهم، تعبيراً عن الحب الذي يخالجه نحوه، فيستغرب الصحابي الأقرع بن حابس هذا التصرف الأبوي العفوي، مفصحاً عن شكل من أشكال جفاء الطبع نحو الأبناء، فيقول: بأن له عَشَرَةً من الْوَلَدِ ما قَبَّلْ منهم أَحَدًا، فيجيبه الرسول، صلى الله عليه وسلم، بنظر الاستهجان، وتعبير اللسان عن إنكار هذا الجفاء، فيقول له: (من لا يَرْحَمُ، لا يُرْحَمُ). وفي رواية عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت جاء أَعْرَابِيٌّ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ، فما نُقَبِّلُهُمْ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ الله من قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ). (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته)، أي لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه. (فتح الباري، 10/430)

العطف على الأبناء وحبهم وشجب جفائهم وقتلهم

يعزز الرسول، صلى الله عليه وسلم، بسلوك تقبيل الأبناء، منهج الرحمة بالأبناء والرفق بهم، مخالفاً منهج قساة القلوب، الذين لم ينعموا بالتخلق بالرحمة والاستجاشة بالعاطفة، فحرموا من نيل الرحمة الربانية، هؤلاء الذين لم يقبلوا أبناءهم، فكيف بالذين يعتدون على فلذات أكبادهم بالقتل أو الاضطهاد واقتراف جرائم الإيذاء، فقد أنكر الله أشد الإنكار على مرتكبي فعل الوأد البشع لبناتهم، زمن الجاهلية الغبراء، فقال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}.(التكوير: 8-9)

ولا يبعد عن الوائدين أولئك الذين يستبيحون اضطهاد أبنائهم، فيحبسونهم أو بعضاً منهم في ظروف مأساوية وهم في ريعان الطفولة، بسبب إعاقة ابتلوا بها، أو مشاكل ليسوا طرفاً فيها، وبعض الآباء يلجأون إلى ارتكاب جرائم قتل جماعية لأبنائهم، متجردين من كل مشاعر الإنسانية والأبوة والرحمة، وبعضهم يمارس صنوفاً مختلفة من ألوان العنف والأذى ضد أبنائهم وأطفالهم، فأنى لهم أن يرحمهم الله، وقد نهى سبحانه وتعالى عن اقتراف جريمة قتل الأبناء بسبب الضائقة المالية، فقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً}(الإسراء: 31)، وقتل الأبناء جريمة نكراء حرمها الله أشد التحريم، سواء كان سببها اقتصادياً أم غير ذلك، وفي هذا التشنيع القرآني لجريمة قتل الأبناء رد عظيم، على من يسعون لإجراء عمليات إجهاض لأجنة رزقهم الله إياهم، بسبب ضيق ذات اليد، أو طمعاً في الاستمتاع بالرزق المتاح دونهم، بل إن بعض الجناة يلجأون إلى بيع أبنائهم في أسواق النخاسة مقابل دراهم أو منافع مادية يطمعون في تحصيلها، والله جعل قتل الأبناء من كبائر الذنوب والآثام، فقال تعالى:{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(الأنعام: 151)

من أعظم الكبائر قتل الأبناء

سئل النبي، صلى الله عليه وسلم، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قال: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وهو خَلَقَكَ، قلت: إِنَّ ذلك لَعَظِيمٌ؟ قلت: ثُمَّ أَيُّ؟ قال:وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قلت: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ). (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قتل الولد خشية أن يأكل معه)

ووصف الله مقترفي هذه الجريمة بالخاسرين، فقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}. (الأنعام: 140)

وقتل الأبناء من أفعال المشركين المنكرة، التي يزينها لهم الشيطان وزبانيته، مصداقاً لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}(الأنعام: 137)     فحري بالمؤمن أن ينأى بنفسه عن سلوك منهج المشركين، وصراطهم الضال المنحرف عن صراط الله المستقيم.

ووجه الله نبيه الكريم، صلى الله عليه وسلم، إلى مبايعة المؤمنات على أمور عظيمة، منها الامتناع عن قتل أولادهن، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(الممتحنة: 12)

تأجيل إقامة الحد على الحامل حتى تضع حملها ويستغني عن حضانتها

ومن الجوانب التي تظهر عناية الإسلام الفائقة بالأبناء والحرص على حفظ حياتهم، ما يتضمنه نظام العقوبات في الإسلام، الذي يوجب إقامة الحدود على الجناة، ضمن شروط وضوابط قررها الشرع الإلهي، فإن الحامل التي تقترف جريمة من الجرائم التي تستوجب حداً إلهياً، يؤجل تنفيذ إقامة الحد عليها، حماية لجنينها وحفظاً لحياته، وذلك بغض النظر عن شرعية حملها أو غير شرعيته، لأنه ليس من العدل أن يحمّل الجنين البريء وزر ما اقترفت أمه، وقد قام الرسول، صلى الله عليه وسلم، بإرساء مبادئ هذا الموقف التشريعي السوي، خلال موقفه من الغامدية التي وجب عليها حد الزنى، ففي الحديث الصحيح (أنه جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ من غَامِدٍ من الأَزْدِ، فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ طَهِّرْنِي؟ فقال: وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إليه، فقالت: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كما رَدَّدْتَ مَاعِزَ بن مَالِكٍ؟ قال: وما ذَاكِ؟ قالت: إِنَّهَا حُبْلَى من الزِّنَى، فقال: آنْتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتى تَضَعِي ما في بَطْنِكِ، قال: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ من الأَنْصَارِ حتى وَضَعَتْ، قال: فَأَتَى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: قد وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ، فقال: إِذًا لا نَرْجُمُهَا، وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، ليس له من يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ من الأَنْصَارِ، فقال: إلي رَضَاعُهُ يا نَبِيَّ اللَّهِ، قال: فَرَجَمَهَا). (صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى) وورد شرح النووي على صحيح مسلم: "أن غامد بغين معجمة ودال مهملة، هي بطن من جهينة، وأن قوله لها: (حتى تضعي ما في بطنك) فيه أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنى أم غيره، وهذا مجمع عليه، لئلا يقتل جنينها، وكذا لو كان حدها الجلد، وهي حامل، لم تجلد بالإجماع حتى تضع، ... وفيه أن من وجب عليها قصاص، وهي حامل، لا يقتص منها حتى تضع، وهذا مجمع عليه، ثم لا ترجم الحامل الزانية، ولا يقتص منها، بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللبأ، ويستغني عنها بلبن غيرها". (شرح النووي على صحيح مسلم، 11/201)

دية الجنين

جعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، دية للجنين الذي يُسْقَط، أو يُجهَض بفعل معتد، وهي غرة عبد أو أمة، فعن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قال: (قَضَى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في جَنِينِ امْرَأَةٍ من بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أو أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ التي قَضَى لها بِالْغُرَّةِ، تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ على عَصَبَتِهَا). (صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره)

وفي رواية عن أَبَي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ من هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وما في بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أو وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ على عَاقِلَتِهَا). (صحيح البخاري، كتاب الديات،  باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد)

ثواب حسن رعاية الأبناء وتربيتهم

وفي مقابل التشنيع على مرتكبي جرائم قتل الأبناء، فإن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعد من يحسن رعاية الأبناء نيل الجنة، فعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: ( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لها، تَسْأَلُ، فلم تَجِدْ عِنْدِي شيئاً غير تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بين ابْنَتَيْهَا، ولم تَأْكُلْ منها، ثُمَّ قَامَتْ، فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النبي، صلى الله عليه وسلم، عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: من ابْتُلِيَ من هذه الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ له سِتْرًا من النَّارِ). (صحيح البخاري، كتاب الزكاة،  باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة)

وفي رواية أخرى عنها في صحيح البخاري: (من يَلِي من هذه الْبَنَاتِ شيئا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ له سِتْرًا من النَّارِ). (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته)

وأمر الله المؤمنين أن يبذلوا جهدهم في حسن تربية أبنائهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.(التحريم: 6)

وعناية الرسول، صلى الله عليه وسلم، برعاية الأبناء وحسن تربيتهم، عامة شاملة؛ تعم مراحل حياتهم ووجودهم كلها، فالابن في الإسلام يحظى باهتمام وافر خلال فترة الحمل به، وبعدها، بل إن الزوجين حين يتوجه كل منهم لاختيار الآخر، يوجهان ليأخذا في الاعتبار انتقاء مصلحة الأبناء الصحية والتربوية والجمالية، من هنا نجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، يوصي باعتبار الدين والخلق في المراد الزواج منها أو منه، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ". (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين)

ويكلف الله الأمهات والآباء بواجب رعاية الأبناء، كل في مجاله، وفي إطار مهمته، فيقول تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.(البقرة: 233)

وقد أباح الرسول، صلى الله عليه وسلم، لامرأة البخيل الذي يمنع عن أبنائه النفقة الواجبة، أن تأخذ من ماله دون علمه، لأداء هذا الواجب عنه، فعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: (دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ، امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ، عَلَى رَسُول اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ؛ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ).(صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند)

الإنصاف بين الأبناء ومنحهم حقوقهم المشروعة

يجعل الله للأبناء ذكوراً وإناثاً حقاً في ميراث آبائهم، فيقول تعالى:{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً}(النساء:11)، فلا يجوز لمسلم أن يتعدى حدود الله وشرعه، فيحرم بعض الأبناء، ويعطي الآخرين، بسبب ميل قلبي، أو موقف من جنسهم ذكوراً أو إناثاً، فكلهم أبناء، ولكلهم حق معلوم فيما ترك الوالدان أحدهما أو كلاهما، وكان للرسول، صلى الله عليه وسلم، موقف رافض لسلوك المحاباة أو الحرمان الظالم الذي يقترفه بعض الآباء مع أبنائهم وبناتهم، فعن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ أتى بِهِ إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال: (إني نَحَلْتُ ابْنِي هذا غُلامًا، فقال: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مثله؟ قال: لا، قال: فَارْجِعْهُ). (صحيح البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب الهبة للولد وإذا أعطى بعض ولده شيئاً لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله ولا يشهد عليه)

أعاننا الله على الرفق بأبنائنا فلذات أكبادنا التي تمشي على الأرض، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا محمد، وعلى آله وأزواجه أمهات المؤمنين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.