.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم لما سأل والمؤمنون متى نصر الله؟أجابهم سبحانه بأنه قريب- الحلقة الثالثة  

==========================================================

 عن مُعَاوِيَة، قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا يَزَالُ من أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، ما يَضُرُّهُمْ من كَذَّبَهُمْ، ولا من خَالَفَهُمْ، حتى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ على ذلك). (صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون(النحل: 40))
تعرضت الحلقة السابقة إلى حقيقة عقائدية، تتعلق بحتمية انتصار الحق وبقائه، فكثيرة هي الآيات القرآنية التي تبشر بنصر الله القريب لعباده الذين قدموا لله ما طلب منهم، من أنفسهم وأموالهم، وأي قوة في الدنيا مهما تعاظمت قدراتها، ستعجز عن الانتصار في معركة يؤيد الله فيها خصمها، والله نصر الرسل، عليهم السلام، بعدما أصابتهم الشدائد والصعاب، وبلغت بهم مبلغاً عظيماً، فجاءهم بنصره المؤزر، وصدقهم وعده، والله لن يخلفنا وعده كذلك، نحن القابضون على جمر الاحتلال، وظلمه وغطرسته، ما استقمنا على دينه ونصرناه، وتم الوقوف في تلك الحلقة عند إجابة السؤال عن موعد نصر الله وفرجه، الذي يطرحه كثير من الناس، وبخاصة المبتلين بالصعاب، وتم التأكيد على أن الإجابة الجازمة المحددة للمواقيت الزمانية عن هذا السؤال، لا يملكها إلا الله جل في علاه، المختص بالقدرة على كل شيء، مع التنبيه إلى أن الأيام تجري بأمر الله دُولاً، يسر بعضها أناساً، ويُحزن آخرين، لكن شتان بين الذين يستقيمون على أمر الله، ويصبرون على ما يجدون في سبيل ذلك، ويحتسبون الجزاء من لدن عزيز حميد، فعّال لما يريد، وبين التائهين عن أمر الله، المتغطرسين في الغي والظلم، المنخدعين بسراب القوة التي يملكون.
والحديث الشريف المثبت نصه أعلاه، يؤكد هذه الحقائق الإيمانية، فعلى الرغم مما يواجه المسلمين من شتى صنوف الاضطهاد والقهر والظلم والتربص، فإنهم لن يندثروا عن كوكب الأرض، بل سيبقون عليها ما داموا على الحق، رغم أنف الكارهين، فهذا الحديث يعزز الأمل المستوحى من إجابة الله جل في علاه عن سؤال متى نصر الله؟ فنصر الله القريب يضافره الوعد ببقاء أمة الإسلام ظاهرة بحقها في ترسيخ معنى الأمل بالفرج مما نحن فيه من شدائد ومحن، ووردت مثل هذه البشرى في سياق وعود عديدة، منها:

التبشير بفتوحات قادمة
أخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، المسلمين عن فتوحات مستقبلية لم تكن تخطر ببالهم، فأخبرهم عن فتح الشام واليمن والعراق، في وقت لم تكن فيه هذه البلاد قد انتشر فيها الإسلام بعد، فعن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (تُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ من المَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم، لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَخْرُجُ
من المَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَخْرُجُ من الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ) (صحيح مسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار)، وقد شهد المسلمون من بعد هذا الإخبار الصادق تحقق ما أنبأ عنه الصادق المصدوق، عليه الصلاة والسلام، مما يعزز الثقة بتحقق ما وعدنا به من نصر قريب، ما دمنا على العهد مع الله، ننصر من نصره، ونبرأ إليه سبحانه ممن عاداه، وفجر، وكفر، وفسق من العالمين.

التبشير بالكنزيْن وباتساع ملك أمة الإسلام
من الوعود المطمئنة لقلوب المؤمنين، سواء أكانوا في حال الاستضعاف، أم في حال القوة، أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعدهم باتساع رقعة البلاد التي ستخضع لأمر الله، وشريعة الإسلام، فقد حدَّث عليه الصلاة والسلام الصحابة عن سيطرة للمسلمين ستكون على ملك أعظم دولتين آنذاك، الفرس والروم، فقال: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا ما زوي لي منها، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ؛ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا من سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قال: يا محمد؛ إني إذا قَضَيْتُ قَضَاءً، فإنه لا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا من سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عليهم من بِأَقْطَارِهَا، أو قال من بين أَقْطَارِهَا، حتى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا). (صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض)
ومما جاء في شرح معاني هذا الحديث، ما أورده صاحب تحفة الأحوذي أن قوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لي الأَرْضَ)؛ أي جمعها لأجلي، يريد به تقريب البعيد منها، حتى اطلع عليه، إطلاعي على القريب منها، (فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا) أي جميعها، (وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا ما زُوي لي منها)؛ أي أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة، فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تفتح لأمتي جزءاً فجزءاً، حتى يصل ملكها إلى كل أجزائها، وقوله: (وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ)؛ أي خزائن كسرى وقيصر، وقوله: (أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ)؛ أي بقحط شائع لجميع بلاد المسلمين، (وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا)، أراد عدواً يستأصلهم، ويهلكهم جميعهم، (فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ)، قيل: أراد إذا أهلك أصل البيضة كان هلاك كل ما فيها؛ من طعم أو فرخ، وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبه مكان اجتماعهم والتآمهم ببيضة الحديد.
وقوله: (إذا قَضَيْتُ قَضَاءً)؛ أي حكمت حكماً مبرماً، (فإنه لا يُرَدُّ)؛ أي بشيء؛ لخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء، أو عدمه، (وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ)؛ أي عهدي وميثاقي، (لأُمَّتِكَ)؛ أي لأجل أمتك، (أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ)؛ أي بحيث لا يعمهم القحط، ويهلكهم بالكلية، قال الطيبي: اللام في لأمتك، هي التي في قوله سابقاً: (سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي)، أي أعطيت سؤالك لدعائك لأمتك، وقوله: (وَلَوْ اجْتَمَعَ عليهم من بِأَقْطَارِهَا)؛ أي الذين هم بأقطارها؛ أي بأطرافها،
والأقطار جمع قطر، وهو الجانب والناحية، والمعنى: فلا يستبيح عدو من الكفار بيضتهم، ولو اجتمع على محاربتهم من أطراف بيضتهم، وقوله: (حتى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) قال الطيبي: حتى بمعنى كي، أي لكي يكون بعض أمتك يهلك بعضاً، وقوله: (إنّي إذا قَضَيْتُ قَضَاءً، فإنه لا يُرَدُّ)، يتعلق بقضاء الله في خلقه، والذي هو نوعان، مبرم ومعلق بفعل، من قبيل ما يتطرق إليه المحو والإثبات، كما قال تعالى في محكم كتابه: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39)، وأما القضاء المبرم، فهو عبارة عما قدره سبحانه في الأزل من غير أن يعلقه بفعل، فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ، بحيث لا يتغير بحال، ولا يتوقف على المقضى عليه، ولا المقضي له؛ لأنه من علمه بما كان، وما يكون، وهذا من قبيل ما لا يتطرق إليه المحو والإثبات، قال تعالى: {...وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (الرعد:41)، فقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قَضَيْتُ قَضَاءً، فإنه لا يُرَدُّ) هو من قبيل القضاء المبرم، ولذلك لم يجب إليه، وفيه أن الأنبياء مستجابو الدعوة، إلا في مثل هذا. (بتصرف عن تحفة الأحوذي، 6/ 332- 333)
فبقاء طائفة من أمة الإسلام إلى أن يأتي أمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من كذبهم، ولا من تآمر عليهم، إلى جانب الإخبار عن فتوحات قادمة لمعاقل الكفر التي يقطنها أصحاب السيطرة والقوة والنفوذ، هي بشائر تعاضد البشرى بقرب نصر الله، الذي يتشغف إليه المسلمون، وبخاصة المستضعفين منهم، وفي هذا نفحات أمل يستشعرها كل مؤمن يتدبر فيها حق التدبر، فتلك البشائر سيقت لأناس يعانون، من قبل جهة مصداقة، ومن لا يصدق خبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وما جاء به القرآن الكريم، فليس له من الإيمان، أو الإسلام نصيب، سائلين الله العلي القدير أن ييسر متابعة الوقوف عند مزيد من محطات تعزيز الأمل بتحقق نصر الله القريب لسائليه من المسلمين الصابرين والمرابطين والمحتسبين، وأن يهدينا صراط الذين أنعم عليهم، ممن تأسوا بنهج وسيرة خاتم النبيين والمرسلين محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
16 جمادى الأولى 1439هـ

تاريخ النشر  2018-02-02
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس