.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 المؤمن يحبه ولا يرغب في نفسه عن نفسه  

==========================================================

 عن أَنَسٍ، رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النبي، صلى الله عليه وسلم، عن السَّاعَةِ، فقال: (مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لها؟ قال: لا شَيْءَ، إلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، صلى الله عليه وسلم، فقال: أنت مع من أَحْبَبْتَ، قال أَنَسٌ: فما فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النبي، صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أَحْبَبْتَ، قال أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النبي، صلى الله عليه وسلم، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لم أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ) (صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي، رضي الله عنه)
الناس في ذكرياتهم ومناسباتهم السعيدة، يعبرون عن سرورهم وغبطتهم بأساليب شتى، وفي ذكرى ميلاد الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، يحسن التعبير عن حبنا له، وهو حب يخرج عن دائرة العشق المجرد، إلى فلك الود والاتباع، والحديث الذي بين أيدينا يؤكد على أثر مهم من آثار حبه، صلى الله عليه وسلم، حيث إن الذي يحبه يحشر معه يوم القيامة، وأي إنجاز يفوق الحصول على درجة مرافقة النبي، صلى الله عليهوسلم ، يوم الدين، {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ* وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} (الشعراء:88-91)
فالرجل الذي لم يعد للآخرة مزيد عمل، سوى حبه لله ورسوله، صلى اللهعليه وسلم ، فاز بمرافقة النبي، عليه الصلاة والسلام، وعبر الصحابي أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن عميق الغبطة لذلك، بقوله: (فما فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النبي، صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أَحْبَبْتَ).

كيف يتحقق حب الرسول، صلى الله عليه وسلم
الحب موطنه القلوب، والجوارح تعبر عن وجوده ومستواه بطرق شتى، فالمحب يفدي محبوبه، ويعمل على كسب وده ورضاه، لذلك كان من براهين زعم حب الله، اتباع الرسول، صلى الله عليه وسلم، فيما جاء به عن ربه، فقال جل شأنه:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران: 31)
من هنا؛ فإن السلوك يُصَدِّق زعم الحب أو يُكَذِّبه، فالذي يحرص على التأسي بالرسول، صلى الله عليه وسلم، يؤكد على عمق حبه، بخلاف الغافل عن ذلك، أو المتجاهل لذلك، فإن سلوكه يكذب زعم حبه، كيف لا؟ والله تعالى في أكثر من آية قرآنية أكد على لزوم طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}(محمد: 33)، وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} (التغابن:12)
فلا تتفق المحبة مع المعصية، إذ إن المحب يبذل الجهود المضنية من أجل نيل مرضاة محبوبه، ويتجنب مسببات غضبه وسخطه.
حتى إن محب الرسول، صلى الله عليه وسلم، يذهب في مدى حبه إلى منحى أبعد وأعمق، فلا يقبل لنفسه الراحة والدعة، في مواقف، والرسول، صلى الله عليه وسلم، واجه في مثلها المشقة، وتحمل الصعب، وعن هذا المنحى يقول رب العزة: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (التوبة:120)
وورد في التفسير أن في هذه الآية عتاباً لمن تخلف عن غزوة تبوك من أهل يثرب، ومن جاورها من قبائل العرب، ومعنى {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ}؛ أي لا يمتنعوا من اقتحام المشقات التي تحملها هو صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ} تعليل لما يجب من عدم التخلف، ومعنى{ظَمَأٌ}: أي عطش. و{وَلاَ نَصَبٌ}: أي تعب، و{وَلاَ مَخْمَصَةٌ}: أي جوع، و{وَلاَ يَطَؤُونَ}: أي بأرجلهم أو بدوابهم، و{وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً}: عموم في كل ما يصيب الكفار. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/87)

تقديم حب الرسول، صلى الله عليه وسلم، على أي حب آخر
ما دام تحقق حب الرسول، صلى الله عليه وسلم، يكون بطاعته، فإن هذا الحب يجب أن يتصدر أشكال الحب الأخرى، فلا يصح أن يتقدم عليه غيره، مصداقاً لما رواه أَنَس، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى أَكُونَ أَحَبَّ إليه من وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الإيمان)
فلا يقبل إيمان كامل ممن لا يقدم حب الرسول، صلى الله عليه وسلم، على حب الآباء والأبناء والناس أجمعين، أي إن النساء والأخلاء وغيرهم، لا ينبغي أن يتقدم حبهم على الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي أقسم في رواية صحيحة أخرى على رفض غير ذلك من صور تفوق الحب، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (فَوَ الَّذِي نَفْسِي بيده لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى أَكُونَ أَحَبَّ إليه من وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الإيمان)
وفي صحيح مسلم، عنون لباب من أبوابه بـ: وُجُوبِ مَحَبَّةِ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَكْثَرَ من الأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَإِطْلَاقِ عَدَمِ الْإِيمَانِ على من لم يُحِبُّهُ هذه المحبة)
والقرآن الكريم أكد بصورة جازمة لا تقبل التأويل، على رفض تفوق أي نوع من أنواع الحب لحب الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيله، فقال تعالى:{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ

وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24)
ومن الآثار العملية لهذه المعادلة الربانية، إقدام المؤمن بلا أي تردد على تنفيذ أمر الله والعمل بسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، حتى لو تعارض ذلك مع هوى للنفس مخالف، أو مصلحة للخلق أو مزاج، فحب الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم مقدم على أي حب.
يقول العيني: وهذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميل قلب، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...}(المائدة: 54)
ولا شك أن حظ الصحابة، رضي الله عنهم، من هذا المعنى أتم؛ لأن المحبة ثمرة المعرفة، وهم بقدره ومنزلته أعلم. (عمدة القاري، 1/144)

حب يتقدم حتى عن حب النفس
ما دام المراد بالحب هنا ليس مجرد الهوى والعشق، بل الطاعة والانقياد التي تتبع ذلك، فمن الطبيعي أن لا يقبل تقديم هوى النفس وحبها على حب الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، فعن أبي عَقِيلٍ، زُهْرَةُ بن مَعْبَدٍ، أَنَّهُ سمع جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بن هِشَامٍ، قال: كنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ، فقال له عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَأَنْتَ أَحَبُّ إليّ من كل شَيْءٍ، إلا من نَفْسِي، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا وَالَّذِي نَفْسِي بيده، حتى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ من نَفْسِكَ، فقال له عُمَرُ: فإنه الآنَ، والله لأَنْتَ أَحَبُّ إليّ من نَفْسِي، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: الآنَ يا عُمَرُ) (صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي، صلى الله عليه وسلم)
فعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، علم فالتزم، حيث عبر في البداية عن تفوق حب الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أي حب آخر سوى عن حب نفسه، فلما رفض قبول هذا الموقف منه، أخر حب نفسه، وقدم عليه حب الرسول، صلى الله عليه وسلم، وحينها فقط قال له المحبوب، صلى الله عليه وسلم: (الآنَ يا عُمَرُ).
حبب الله إلينا دينه القويم، وصراطه المستقيم، ونبيه الكريم محمداً، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
12 ربيع أول 1439هـ

تاريخ النشر  2017-12-01
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس