.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم - الحلقة الرابعة  

==========================================================

 عن أَنَسٍ: (أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ، كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَبَوْا إلا القِصَاصَ، فَأَمَرَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْقِصَاصِ، فقال أَنَسُ بن النَّضْرِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: يا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ، فَعَفَوْا، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: إِنَّ من عِبَادِ اللَّهِ من لو أَقْسَمَ على اللَّهِ لأَبَرَّهُ) (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة: 183))
تعرضت الحلقة السابقة إلى وعيد متجاوزي الحق في القتل، إذ كيف للذين يؤمنون بيوم الحساب أن يلقوا ربهم فيه، وفي أعناقهم وزر زهق أرواح بالباطل، ووعيد أولئك، لا يقتصر على الاعتداء على دماء المسلمين وأرواحهم فحسب، بل يشمل قتلة المعاهدين من غير المسلمين، كما تعرضت الحلقة إلى الوقاية من استشراء القتل بالقصاص، ومنع الثأر، فدور الشريعة الإسلامية لم يقتصر على التوعية الوقائية ضد تجاوز الحق في القتل، وزهق الأرواح، وسفك الدماء، بل شمل دورها كذلك تشريع أحكام واضحة لمواجهة هذه المشكلة، والعمل على معالجتها بشكل ناجع وعملي، فشرع الله القصاص من القاتل جزاء له بمثل ما قدمت يداه، وفي حال الأخذ بالتشريع الرباني، والعمل بموجبه، فسيتقلص حجم القتل الظالم في المجتمع؛ لأنه تشريع رادع، فكل من تسول له نفسه اقتراف القتل الآثم، سيردعه العلم بأن مصيره القتل، كما أن القصاص يحمي المجتمع من آفة الأخذ بالثأر، حين يُشفى غليل أهل المقتول، بقتل المعتدي على دم ابنهم وقريبهم.

شرح خبر حادثة كسر الرُّبَيْع ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (الرُّبَيْعَ)، بنت النضر، عمة أنس بن مالك، خادم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقوله: (ثنية جارية) الثنية مقدم الأسنان، والجارية المرأة الشابة، وقوله: (فطلبوا الأرش)؛ أي فطلب قوم الربيّع من قوم الجارية أخذ الأرش، وقوله: (وطلبوا العفو) قالوا خذوا الأرش، أو اعفوا عن هذه، (فأبوا) أي أن قوم الجارية امتنعوا، فلا رضوا بأخذ الأرش، ولا بالعفو، فعند ذلك أتوا النبي، صلى الله عليه وسلم، وتخاصموا بين يديه، فأمرهم صلى الله عليه وسلم، بالقصاص، فتساءل أنس بن النضر- والربيع أخته، وهو عم أنس بن مالك –راوي الحديث-، قتل يوم أحد شهيداً، ووجد به بضع وثمانون ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وفيه نزلت: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ...} (الأحزاب: 23) بقوله: (أتُكسر؟) والهمزة هنا للاستفهام، وتكسر على صيغة المجهول، ولم ينكر أنس حكم الشرع، والظاهر أن ذلك كان منه قبل أن يعرف أن كتاب الله القصاص، وظن التخيير لهم بين القصاص والدية، أو كان مراده الاستشفاع من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو قال ذلك توقعاً ورجاء من فضل الله تعالى أن يرضي خصمها، ويلقي في قلبه أن يعفو عنها، وقال الطيبي كلمة (لا) في قوله: (لا والله)؛ ليس رداً للحكم، بل نفي لوقوعه، ولفظ (لا تُكسر) إخبار عن عدم الوقوع، وذلك بما كان له عند الله من الثقة بفضل الله، ولطفه في حقه، أنه لا يخيبه، بل يلهمهم العفو، ولذلك قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ من عِبَادِ اللَّهِ من لو أَقْسَمَ على اللَّهِ لأَبَرَّهُ) وقوله: (كتاب الله القصاص)؛ أي حكم كتاب الله القصاص، على حذف مضاف، وهو إشارة إلى قوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} (المائدة: 45)، أو إلى قوله تعالى: { وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } (المائدة:45)، أو إلى قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النحل: 126)، أو الكتاب بمعنى الفرض والإيجاب، وقوله: (لأبره)؛ أي صدقه، يقال بر الله قسمه، وأبره. (عمدة القاري، 13/281)

الناس أمام قضاء الإسلام سواء
في الحديث الشريف أعلاه يظهر النبي، صلى الله عليه وسلم، إصراراً على القصاص من المعتدي على أرواح الناس وجوارحهم، بغض النظر عن نسب المعتدي والمعتدى عليه، فالناس أمام قضاء الإسلام سواء، لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا أسود وأبيض، ولا غني وفقير، ولا كبير وصغير، ولا ذكر وأنثى، إلا بالتقوى، والعدل مبدأ من مبادئ الإسلام العظيم، أمر به الله في قرآنه الكريم، فقال تعالى: {...وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (المائدة: 42)
وحين يدرك الناس بأن هناك قضاء عادل، يأخذ الحق للمعتدى عليه من المعتدي، وأن الحقوق لا تزول بسبب طغيان أصحاب النفوذ، فإن الطمأنينة تسود المجتمعات، والأمان يعم أهلها، وتذوب الأحقاد من القلوب، وتخف نتيجة لذلك الجرائم، وتتقوى الأواصر بين المسلمين، وتلك غايات نبيلة، حرص على تحقيقها شرعنا الحنيف، آملين في الحلقة القادمة متابعة الوقوف عند مزيد من هذه النفحات، المستقاة من هدي القرآن الكريم، وسنة خاتم النبيين محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
18 محرم 1440هـ

تاريخ النشر  2018-09-28
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس