.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم-الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قالوا: يا رَسُولَ اللَّه، وما هُنَّ؟ قال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله إلا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يوم الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) (صحيح البخاري)
تعرضت الحلقة السابقة إلى الحديث عن بعض الأخلاق والقيم، التي تندرج في إطار تنظيم علاقة المسلم بإخوانه، وتحفظ الود بينهم، وتقوي أواصر علاقاتهم ببعضهم بعضاً، وتنزع فتيل النزاع والشقاق من واقعهم، وقد توزعت تلك القيم حسب ما تم استنباطه من حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي استهلت به تلك الحلقة بين مبادئ، وأوامر ونواهٍ، ومن المبادئ التي أشار إليها الحديث المذكور، أن المسلم أخو المسلم، أخوة مؤكدة ومعاضدة بالحث على تعزيزها بمقومات بقائها، ووقايتها من عوامل الانهيار.
ولم يكن بالأمر العابر ولا من قبيل المصادفة أن تركز أعمال، الرسول، صلى الله عليه وسلم، الأولى في المدينة المنورة بعد الهجرة إليها، على تحقيق التآخي العملي والواقعي بين المهاجرين والأنصار، وعلى منهج هذه الأخوة يجب أن تبنى علاقات المسلمين ببعضهم بعضاً، مع ضرورة استبعاد ما يتناقض مع هذا المبدأ، من قبيل قتل الإنسان بغير حق، الذي يعتبر جريمة نكراء يتنافى اقترافها مع قيم الأخوة والتراحم، وحديث أبي هريرة أعلاه يبين خطورة التهاون بقتل الأبرياء، فذلك من أكبر الكبائر، وأعظم الآثام.

تحريم قتل النفس البريئة
على الرغم من التوجيهات الدينية الكثيرة والقوية تجاه تقوية أواصر الأخوة بين المؤمنين، فإن مجريات الأحداث بينهم يندى لكثير منها الجبين، حيث القتل للنفوس البريئة التي حرم الله قتلها بغير حق، فباتت أخبار جرائم القتل المروع ترد من واقعهم صباح مساء، سواء على صعيد القتل الفردي، أم الجماعي، بغض النظر عن الأسباب والظروف والأماكن التي تقع فيها، ومن أجلها، وفي الحديث الشريف أعلاه، يدرج الرسول، صلى الله عليه وسلم، القتل بغير حق ضمن كبار الذنوب المهلكة.
وفي خطبة الوداع ركز عليه الصلاة والسلام، على جانب التنفير من انتهاك حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، بأسلوب مؤثر ومثير، حيث سبق حديثه صلى الله عليه وسلم، عن تحريم دم المسلمين وأعراضهم وأموالهم، تساؤله
عن حرمة البيت الحرام، والشهر الحرام، ويوم النحر، ليجذب عيون السامعين وقلوبهم للأمر الجلل، المتضمن تحريم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، فعن عبد الرحمن بن أبي بَكْرَةَ، عن أبيه: (ذَكَرَ النبي، صلى الله عليه وسلم، قَعَدَ على بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ ،أو بِزِمَامِهِ، قال: أَيُّ يَوْمٍ هذا؟ فَسَكَتْنَا، حتى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قال: أَلَيْسَ يوم النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قال: فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟ فَسَكَتْنَا، حتى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فقال: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قال: فإن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فإن الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ من هو أَوْعَى له منه) (صحيح البخاري)

تهاون مستفظع
تأكيدات لزوم صون دماء المسلمين، والكف عن سفكها بغير حق كثيرة في الإسلام، ومع ذلك فإن بعض متجاوزي الحدود، يبدو أنهم لم يستوعبوا الدرس، بدليل مسارعتهم إلى سفك الدماء بتهاون مريع، واستخفاف فظيع، إذ إن قتل البريء يعدل قتل الناس جميعاً، حسب ما جاء التعقيب على الحادثة الإجرامية الأولى في تاريخ الإنسانية، لما قتل أحد ابني آدم آخاه، قال تعالى:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة: 32)
فحرمة الدماء البريئة عظيمة، وإراقتها دون حق إثمه كبير، فكيف للمتهاونين بذلك أن يبادروا إلى اقتراف هذه الكبيرة دون وجل من الله، الذي نهى عن قتل النفس البريئة، فقال عز وجل:{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} (الإسراء:33) وأثنى الله على المؤمنين لتميزهم بخصال وصفات جليلة، منها، امتناعهم عن قتل النفس التي حرم الله قتلها، فقال تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} (الفرقان:68)
راجين أن يكون في هذا التذكير المجمل بموقف الشرع من سفك الدماء بغير حق ما يردع عن الاسترسال في اقتراف الجرائم النكراء التي تطال دماء أمر الله باحترامها وحفظها، وإلى لقاء آخر نأمل أن يوفق الله فيه إلى متابعة الحديث عن أهمية الكف عن قتل الأبرياء، التي جاء التنفير من سفكها بأساليب ومضامين عديدة في سنة البشير النذير، محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
4 محرم 1440هـ

تاريخ النشر  2018-09-14
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس