.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 من أطاعه فاز  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إلا من أَبَى، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ وَمَنْ يَأْبَى؟ قال: من أَطَاعَنِي دخل الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم)
يربط الرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الشريف دخول الجنة بطاعته، فالذي يعمل بما جاء به، وينتهي عما نهى عنه، هو المطيع، الذي يستحق دخول الجنة، بخلاف الذي يتنكب دربه، فيعصي أمره، ويخالف نهيه، فهو العاصي الذي يستحق دخول النار، وليست هذه المعادلة من إحداث النبي، صلى الله عليه وسلم، وصنعه، بل تنطق بما جاء به الوحي إليه، فالله جل في علاه طالبه أن يأمر الناس بطاعة الله ورسوله، فقال عز وجل: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: 32)
وأمر الله المؤمنين بأخذ التشريع عن رسوله، صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر: 7)
وبهذا دحض لمزاعم القائلين بطاعة الله فحسب، والعمل بما جاء في القرآن الكريم دون السنة، فتلك مزاعم باطلة، إذ القرآن نفسه يأمر بالأخذ عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، في مجالي الأوامر والنواهي على حد سواء، حسب منطوق هذه الآية القرآنية الكريمة.

اقتران طاعته بطاعة الله
نبه الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى الصلة الوثيقة بين طاعته، وطاعة ربه عز وجل، فقال: (من أَطَاعَنِي، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي، فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي، فَقَدْ عَصَانِي) (صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأول الأمر منكم} (النساء: 59)
وكثيرة هي الآيات القرآنية التي تقرن طلب طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بطلب طاعة الله، وتكرر ورود هذا الاقتران في سياق الوعد بجزاء الآخذين به، وفوزهم يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (النساء: 13) وتكرر مثل هذا الوعد جزاء للطاعة في آيات عديدة، منها الآية 52 من سورة النور، و71 من الأحزاب.
ووعد الله الآخذين بهذا الاقتران أن يحشرهم مع صفوة الخلق يوم القيامة، فقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} (النساء: 69)

وعيد غير المطيعين
تكرر ورود اقتران طاعة الله وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، في سياق وعد من يأخذ به بالفوز، ودخول الجنة، يقابله وعيد المتنكرين له، أو المتولين عن هاتين الطاعتين بالعذاب الأليم، فقال تعالى:{... وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} (الفتح: 17)
وورد مثل هذا الوعيد في الآية 92 من سورة المائدة، والآية 54 من سورة النور.
وأخبر القرآن الكريم عن حال الندم، الذي يعتري من فاتهم التقيد بطاعة الله وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} (الأحزاب: 66)
وحذر الرسول، صلى الله عليه وسلم، من ويلات التنكر لهاتين الطاعتين، فعن أبي مُوسَى، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إنما مَثَلِي وَمَثَلُ ما بَعَثَنِي الله بِهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى قَوْمًا، فقال: يا قَوْمِ؛ إني رأيت الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أنا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ من قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا على مَهَلِهِمْ، فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ منهم، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ، وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ من أَطَاعَنِي، فَاتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ من عَصَانِي، وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ من الْحَقِّ) (صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم)

التأكيد على لزوم العمل بالكتاب والسنة
طاعة الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، هي أس الواجبات، ويتجلى الأخذ بها في مواطن النزاع والخلاف، وذلك من خلال الرجوع إلى الكتاب والسنة والاحتكام إليهما، انصياعاً لأمره تعالى، الوارد في مثل قوله جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء: 59)
والإصرار على النزاع يعني انحراف عن الامتثال لحكم الله الوارد في كتابه الكريم، وسنة خاتم النبيين والمرسلين، وحدوث ذلك يؤشر إلى اختيار درب الفشل الذريع، مصداقاً لقوله عز وجل: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: 46)
والله سبحانه ربط الانصياع لطاعته وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، بالإيمان، فالمؤمن يطيع، بخلاف سواه، والله تعالى يقول: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(الأنفال: 1)
وربطهما بحبه تعالى، حيث قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران: 31)
وربطهما بنيل رحمته، فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (النور: 56)
وقال عز وجل:{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران: 132)
وربطهما بنجاح الأعمال وقبولها، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (محمد: 33)
وجعل الله اللجوء إلى طاعته وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، من أبرز مكفرات التقصير في أداء بعض الواجبات، فقال تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المجادلة: 13)
أي فإذا فرطتم فيما أمرتم به من تقديم الصدقات، فتداركوه بالمثابرة على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأطيعوا الله ورسوله، في سائر الأوامر، فإن القيام بها، كالجابر لما وقع في ذلك من التفريط، والله خبير بما تعملون ظاهراً وباطناً (تفسير أبي السعود، 8/221)

الطاعة الدائمة
يجدر التنبيه إلى أن الطاعة المرادة لله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ليست انتقائية ولا مزاجية، بل هي طاعة دائمة ومستمرة، تلزم في الأحوال كلها، والظروف جميعها، فعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، في عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية)
والأصل في الأوامر التي تصدر عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن يتلقاها المسلم بالطاعة والالتزام إلا إذا وردت قرائن تصرفها عن الوجوب إلى الاستحباب أو الندب، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (... فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ). (صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم)، وهو القائل أيضاً: (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي...)(صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزنى)

طاعة الأنبياء
كما أن الطاعة اللازمة للرسول، صلى الله عليه وسلم، هي نفسها التي لزمت للرسل والأنبياء من قبله، عليه وإياهم صلوات الله وسلامه، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} (النساء: 64)، فالله ما أرسل من رسول إلا وهو يريد أن يطاع ويصدق، ولم يرسل أحداً من رسله ليعصى). (التفسير الكبير، 10/128)
فالطاعة المطلوبة للرسول، صلى الله عليه وسلم، لا تقل أهمية أو لزوماً عن طاعة الله، وهما يعنيان لزوم العمل بالكتاب والسنة، بصورة دائمة، بعيداً عن المزاجية والانتقائية، والله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} (الأحزاب: 36)، وللملتزم بهذه الطاعة وعد بالفوز والجنة، ولمتنكب دربهما وعيد بالجحيم والنار، حسب ما أخبر به خير الأنام محمد، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
19 ربيع أول 1439هـ

تاريخ النشر  2017-12-08
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس