.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 نهاه الله عن الحزن على مسارعة بعض الناس في الانحراف عن جادة الحق - الحلقة الثالثة والأخيرة  

==========================================================

 عن ابن المُسَيَّبِ، عن أبيه (أَنَّ أَبَاهُ جاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ما اسْمُكَ؟ قال: حَزْنٌ، قال: أنت سَهْلٌ، قال: لا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أبي، قال ابن الْمُسَيَّبِ: فما زَالَتْ الحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب اسم الحزن)
تعرضت الحلقتان السابقتان للحديث عن مواضع ورد فيها النهي عن الحزن، منها ما كان بسبب أفعال الجاهلين وتفوهاتهم، مع الإشارة إلى أن النهي عن الحزن المفرط أو المحبط، لم يقتصر الخطاب به على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وإنما شمل المؤمنين والأنبياء السابقين، وتماشياً مع مبدأ تجاوز الأحزان، يأتي الحديث أعلاه ليبين حرص الرسول، صلى الله عليه وسلم، على استبدال الأسماء الدالة على الحزن، بأخرى تدل على اليسر والسرور، غير أن جد سعيد بن المسيب رفض تغيير اسمه من حزن إلى سهل، متذرعاً بالتمسك باسمه الذي أسماه إياه والده، فبقيت الحُزُونَةُ فيهم كما يقول ابن المسيب، وفي عمدة القاري أن المراد ببقاء الحُزُونَة فيهم امتناع التسهيل فيما يرونه، وقيل يريد الصعوبة، والشدة التي بقيت في أخلاقهم. (عمدة القاري، 22/208)

الحزن المشروع
الحزن المنهي عنه هو الذي يفضي إلى الإحباط أو الجزع، أو ما يكون مما لا طائل منه، أما الحزن العابر الذي ينتاب المرء جراء مصيبة ألمت به، فهذا يصعب تجنبه أو التحرز عنه، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، حزن ضمن هذا الإطار في مواضع عديدة، منها حزنه لموت ابنه إبراهيم، فعن أَنَسِ بن مَالِكٍ، رضي الله عنه، قال: (دَخَلْنَا مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، على أبي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وكان ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ، عليه السَّلام، فَأَخَذَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إبراهيم، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عليه بَعْدَ ذلك، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، تَذْرِفَانِ، فقال له عبد الرحمن بن عَوْفٍ، رضي الله عنه، وَأَنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فقال؛ يا ابن عَوْفٍ؛ إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فقال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، ولا نَقُولُ إلا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: إنا بك لمحزنون)
وحزن عليه الصلاة والسلام، كذلك لمقتل القراء، فعن أَنَسٍ، رضي الله عنه، قال: (قَنَتَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، شَهْرًا حين قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فما رأيت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ منه) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن)
وحزن صلى الله عليه وسلم، لاستشهاد قادة مؤتة، فعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: (لَمَّا جاء النبي، صلى الله عليه
وسلم، قَتْلُ ابن حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وابن رَوَاحَةَ، جَلَسَ يُعْرَفُ فيه الحُزْنُ، وأنا أَنْظُرُ من صَائِرِ البَابِ -شَقِّ الْبَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فقال: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لم يُطِعْنَهُ، فقال: انْهَهُنَّ، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، قال: والله غَلَبْنَنَا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قال: فَاحْثُ في أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ، فقلت: أَرْغَمَ الله أَنْفَكَ، لم تَفْعَلْ ما أَمَرَكَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ولم تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، من الْعَنَاءِ) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن)
وحزن صلى الله عليه وسلم لما انقطع عنه الوحي لفترة في بداية عهده بالبعثة والرسالة، ففي الحديث الصحيح: (وفتر الوحي فَتْرَةً حتى حَزِنَ النبي، صلى الله عليه وسلم) (صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الوحي الرؤيا الصالحة)
وفي فتح الباري، أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور؛ من اللطم والشق والنوح وغيرها، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة. (فتح الباري، 3/167)

طمأنة المؤمنين
إلى جانب النهي عن الحزن المحبط، أو المفرط، أو السلبي، جاء القرآن الكريم بمعززات للجلد، كطمأنة قلوب المؤمنين على الرغم مما يواجههم من أذى ومصاعب وابتلاء، في مثل قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت: 30)، وقوله جل شأنه: {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} (الزخرف: 68)، ووردت الطمأنة لأم موسى، عليه السلام، من خلال نهيها عن الحزن في ثلاثة مواضع قرآنية، اثنان في سورة القصص، وواحد في سورة طه، فيقول عز وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (القصص: 7)، ويقول تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (القصص: 13)
وفي سورة طه يقول تعالى:{إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} (طه: 40)
ومن طمأنة المؤمنين حيال ما ينتابهم من ابتلاءات، أن يعلموا أنها تأتي أحياناً لفوائد، كما حصل لهم يوم أحد، حيث كان الغم مزيلاً للحزن، مصداقاً لقوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. (آل عمران: 153)
جاء في تفسير القرطبي أن الغم في اللغة التغطية، غممت الشيء غطيته، ويوم غم وليلة غمة، إذا كانا مظلمين، ومنه غم الهلال إذا لم يُرَ، قال مجاهد وقتادة وغيرهما الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ صاح به الشيطان، وقيل: الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني: ما أصابهم من القتل والهزيمة، وقيل: الغم الأول الهزيمة، والثاني: إشراف أبي سفيان وخالد عليهم في الجبل، فلما نظر إليهم المسلمون غمهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم، فأنساهم هذا ما نالهم. (تفسير القرطبي، 4/240)
ومن الفوائد العظيمة للابتلاءات أن الذنوب بها تمحى وتزال، فعن النبي، صلى اللهعليه وسلم ، قال: (ما يُصِيبُ المُسْلِمَ من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ، ولا حُزْنٍ، ولا أَذًى، ولا غَمٍّ، حتى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إلا كَفَّرَ الله بها من خَطَايَاهُ)(صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض)
ومن طمأنة المؤمنين كذلك تعهد الله بأن يعصمهم ودينهم من شر الناس، مصداقاً لقوله جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة: 67)
وقد أيد الله رسوله، صلى الله عليه وسلم، بجنده ونصره، وأنزل السكينة عليه، وهزم عدوه، فقال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 40)
وفي ظل ما يعانيه المسلمون اليوم جراء المصاعب التي تعترض حياتهم، والأخطار المحدقة بهم، فإن السيل بلغ الزبى، والقلوب بلغت الحناجر، وضاقت بكثير منهم الدنيا بما رحبت، كل ذلك صحيح، لكن المطلوب من المؤمنين المبتلين ألا يستسلموا للأحزان والمصائب والويلات، بل عليهم الصبر والجلد تجاه ما يواجههم من مصاعب وابتلاءات ومحن، سواء ما كان من ذلك مادي ملموس، أم معنوي، وخير ما يطلب التسلح به في مثل هذه الأوضاع والظروف هو التحلي بالصبر، فهو مفتاح الفرج، والله تعالى يقول: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} (النحل: 127)، قدوتهم في هذا والشأن كله الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
25 ربيع الآخر 1439هـ

تاريخ النشر  2018-01-12
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس