.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 نهاه الله عن الحزن على مسارعة بعض الناس في الانحراف عن جادة الحق - الحلقة الثانية  

==========================================================

 يخاطب الله جلَّ في علاه رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم، قائلاً: {وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. (لقمان: 23)
في الحلقة السابقة تم الوقوف عند خطاب قرآني كريم، نهى فيه رب البرية سبحانه رسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم، عن الحزن على ما يلمسه من مسارعة بعض الناس في الكفر، على الرغم من أنهم يتظاهرون بالإيمان بألسنتهم، على خلاف ما تُكنّ قلوبهم، وذكر الاختلاف في سبب نزول ذاك الخطاب، وتم بيان معنى الحزن، ونعمة إذهابه، التي هي نعمة جليلة يمن الله بها على عباده، وأنَّ الله تعهد بحجب الحزن عن أوليائه، ومن أدلة النهي عن الحزن بسبب كفر الكافرين، ما تضمنته الآية المذكورة أعلاه من سورة لقمان، والتي تنهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن الحزن بسبب كفر الكافرين، فإن من يُكذَّب وهو قاطع بأن صدقه يتبين عن قريب لا يحزن. (التفسير الكبير، 25/35)

النهي عن الحزن بسبب مكر المكيدين و تفوهات الجاهلين
من الآيات القرآنية التي نهت النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الحزن، قوله جل شأنه: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمكُرُونَ}.(النمل: 70)
وفي تفسير قوله تعالى: {ولا تحزن عليهم} قولان، أحدهما على كفار مكة إن لم يسلموا، والثاني ولا تحزن على قتلى أحد، فإنهم أفضوا إلى رحمة الله، وقوله تعالى: {ولا تك في ضيق} قرأ الأكثرون بنصب الضاد، وقرأ ابن كثير بكسرها، قال الفراء: الضيق بفتح الضاد، ما ضاق عنه صدرك، والضيق ما يكون في الذي يضيق ويتسع، مثل الدار والثوب، وأشباه ذلك، والمقصود بمكرهم هنا أفعالهم الكيدية ضد الإسلام. (زاد المسير، 4/508- 509، بتصرف)
وقد نُهي النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الحزن بسبب أقوال يتفوه بها بعض الناس، وبخاصة المنافقين منهم، فقال تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} (يونس: 65)
يقول الرازي: واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده، ومكره، وكيده، لو جوز كونه مؤثراً في حاله، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر، خرج من أن يكون سبباً لحزنه، ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، حزن الآخرة بسبب قوله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس: 62 )
فكذلك أزال عنه حزن الدنيا بقوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق، وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين، كان لا محالة ناصراً له، ومعيناً، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له، فقد حصل الأمن وزال الخوف.
فإن قيل: فكيف آمنه من ذلك، ولم يزل خائفاً حتى احتاج إلى الهجرة والهرب، ثم من بعد ذلك يخاف حالاً بعد حال؟ فقد أجاب الرازي عن ذلك بقوله: إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقاً، والوقت ما كان معيناً، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت. (التفسير الكبير 17/104- 105)
ويذكر أبو السعود في تفسيره، أن في هذا الخطاب الرباني تسلية للرسول، صلى الله عليه وسلم، عما كان يلقاه من جهتهم من الأذيّة الناشئة عن مقالاتهم الموحشة، وتبشيراً له صلى الله عليه وسلم، بأنه عز وجل ينصره ويعزه عليهم، إثر بيان أن له ولأتباعه أمناً من كل محذور، وفوزاً بكل مطلوب، وقُرئ {وَلاَ يَحْزُنكَ} من أحزنه وهو في الحقيقة نهي له صلى الله عليه وسلم، عن الحزن، كأنه قيل: لا تحزن بقولهم، ولا تبالِ بتكذيبهم وكيدهم في تدبير هلاكك، وإبطال أمرك، وسائر ما يتفوهون به في شأنك مما لا خير فيه، وإنما وجه النهي إلى قولهم للمبالغة في نهيه، صلى الله عليه وسلم، عن الحزن. (تفسير أبي السعود 4/161)
ومن النهي الرباني للنبي، صلى الله عليه وسلم، عن الحزن بسبب تفوهات بعض الناس، وبخاصة المنافقين، ما جاء في قوله عز وجل: {فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} (يس: 76)، يقول الزمخشري في الكشاف: والمعنى فلا يهمنك تكذيبهم، وأذاهم وجفاؤهم، فإنا عالمون بما يسرون لك من عداوتهم وَمَا يُعْلِنُونَ، وإنّا مجازوهم عليه، فحقّ مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد، ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة، حتى ينقشع عنه الهمّ، ولا يرهقه الحزن. (الكشاف، 4/31)

نهي المؤمنين والأنبياء السابقين عن الحزن
لم يقتصر النهي عن الحزن بسبب أفعال الناس على النبي، صلى الله عليه وسلم، بل وجه الخطاب بمثل هذا النهي للمؤمنين كذلك، فقال جل شأنه: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران: 139)
جاء في التفسير الكبير أن قوله: {وَلاَ تَهِنُواْ}؛ أي لا تضعفوا عن الجهاد، والوهن الضعف، وقوله: {وَلاَ تَحْزَنُوا}؛ أي على من قتل منكم أو جرح، وقوله: {وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ} فيه وجوه:
الأول: أن حالكم أعلى من حالهم في القتل؛ لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، أو لأن قتالكم لله، وقتالهم للشيطان، أو لأن قتالهم للباطل، وقتالكم للحق، وكل ذلك يوجب كونكم أعلى حالاً منهم. الثاني: أنتم الأعلون بالحجة والتمسك بالدين، والعاقبة الحميدة.
الثالث: أنتم الأعلون من حيث أنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم، وهذا شديد المناسبة لما قبله؛ لأن القوم انكسرت قلوبهم، بسبب ذلك الوهن، فهم كانوا محتاجين إلى ما يفيدهم قوة في القلب، وفرحاً في النفس، فبشرهم الله تعالى بذلك.
و قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ففيه وجوه: الأول وأنتم الأعلون إن بقيتم على إيمانكم، والمقصود بيان أن الله تعالى إنما تكفل بإعلاء درجتهم لأجل تمسكهم بدين الإسلام، الثاني: وأنتم الأعلون، فكونوا مصدقين لهذه البشارة، إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، والثالث: التقدير أن الله تعالى وعد بنصرة هذا الدين، فإن كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه الواقعة لا تبقى بحالها، وأن الدولة تصير للمسلمين، والاستيلاء على العدو، يحصل لهم. (التفسير الكبير، 9/12)
ونهي الأنبياء السابقين كذلك عن الحزن، فإلى لوط جاء النهي عنه، حسب قوله تعالى: {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} (العنكبوت: 33)
ونُهي نوح، عليه السلام، عن الحزن بسبب أفعال من ضلوا من قومه، وجاء التعبير عن الحزن هنا بلفظ الابتئاس، فقال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (هود: 36)؛ أي لا تحزن من ذلك، ولا تغتم، ولا تظن أن في ذلك مذلة، فإن الدين عزيز، وإن قلَّ عدد من يتمسك به، والباطل ذليل، وإن كثر عدد من يقول به. (التفسير الكبير، 17/177)، واستخدم لفظ تبتئس للتعبير عن الحزن على لسان يوسف خلال مخاطبته أخاه، فقال تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (يوسف: 69)
فهذه وقفات أخرى عند بعض آيات الذكر الحكيم التي تضمنت النهي عن الحزن بسبب ما ضل من أفعال بعض الناس وأقوالهم، وما أحوجنا ونحن نواجه الصعاب والمحن المتلاحقة لطرد الأحزان عن قلوبنا لنبقى من ذوي الهمم العالية، سائلين الله العلي التوفيق لمتابعة الحديث عن جوانب أخرى من هذا الموضوع في الحلقة القادمة، وأن ينعم علينا سبحانه بالصبر الجميل، لنقتفي في صبرنا وجلدنا وأملنا سيرة خاتم النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
18 ربيع الآخر 1439هـ

تاريخ النشر  2018-01-05
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس