.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحدث عن بدء الصيام وفرضه وفضله  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم قال: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال)
صوم شهر رمضان فرضه الله تعالى على المسلمين، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، وهو من أركان الإسلام الخمسة، حسب قوله، صلى الله عليه وسلم: (بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس)
ولتنظيم أداء هذا الفرض على الوجه المشروع، حُددت له ضوابط وأحكام، من أبرزها تحديد أيامه، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، يحدد في هذا الحديث الشريف الآلية المشروعة لاعتماد البدء بصيام شهر رمضان المبارك، وكذلك ختمه، ويكون ذلك بالاعتماد على رؤية هلال شهر رمضان، فحين تثبت يبدأ المسلمون بالصيام، ويستمرون به حتى تثبت رؤية هلال شهر شوال الذي يليه.

انسجام اشتراط رؤية الهلال للبدء بالشهر والانتهاء منه مع علم الفلك
يدعو الإسلام المسلمين إلى تحري رؤية هلال رمضان مع مشارفة شهر شعبان على الانتهاء، ففي مساء يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان من كل عام، يُدعى المسلمون إلى مراقبة ظهور هلال شهر رمضان، فينظرون إلى السماء من الجهة التي يبزغ منها الهلال الجديد، وذلك بعد مغيب شمس ذاك اليوم، فإن شهد بالرؤية شاهد عدل من المسلمين، لدى الجهات المتخصصة، فإنها تبادر إلى الإعلان عن البدء بالصيام، وإلا أكملت عدة شعبان ثلاثين يوماً، قال تعالى :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. (البقرة:185)
والمراد بشهود الشهر الوارد في الآية الكريمة، هو رؤية هلاله من قبل عدل واحد من المسلمين، فإذا شهد عدل بالرؤية عند ولي الأمر، بعد أن تقوم فيه شروط تحمل الشهادة، ويصح بمثل وصفه ضبط الرؤية، وإمكانها، فإن ولي الأمر يحكم بثبوت رؤية الهلال، وحينها يجب على المسلمين الدخول في عبادة الصيام، والدعوة إلى تحري الرؤية، توجه للمسلمين كلهم، فإذا رأى الهلال بعضهم، وجب على بقيتهم الالتزام بالصيام؛ لأن رؤية كل واحد منهم للهلال متعذرة، لسبب أو لآخر، والله تعالى لم يكلفنا إلا بما نطيق، فقال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا...}. (البقرة: 286)
فالمطلوب الرؤية، أو إكمال عدة الشهر حين تعذرها، فالرؤية شرط للدخول في عبادة الصيام، وإلا أكملت عدة شعبان ثلاثين؛ إذ الأشهر القمرية إما أن تكون عدتها تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين.
فعن ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاَثِينَ). (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)
ولا بدَّ في هذا المقام من الإشارة إلى التقدم العلمي الدقيق في حسابات الفلك، وتحديد مواقيت تولد الأهلة بالساعة والدقيقة والثانية، وكذلك تحديد الزوايا في الأفق الغربي، الذي يظهر فيه الهلال، ومدى قربه، أو بعده من الشمس، ومدة ظهوره في السماء بعد المغيب، زد على ذلك التقدم التكنولوجي في تطوير المناظير والمقاربات التي يُستعان بها في رؤية الهلال، إذا أشارت الحسابات الفلكية إلى إمكانية رؤيته في الأفق، ويمكن الاستفادة من هذه الإنجازات العلمية عند تحري رؤية الأهلة على سبيل الاستئناس.

أهمية الاتفاق حول رؤية الأهلة
بعد التقدم العلمي في علوم الفلك، وحساباته، والمراصد، ووسائل الرؤية، ووسائل الاتصال والإعلام، هل يبقى عذر للمسلمين للخلاف حول بداية عبادة الصيام، التي تتم بإحدى أمارتين لا ثالث لهما، وهي الرؤية، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين؟!
فالقول بتوحيد الرؤية، واختيار ما عليه جمهور الفقهاء بوجوب الصيام على المسلمين، الذين يشترك أقطارهم في ليل واحد، هو الأقرب لموافقة الأدلة الشرعية، التي خاطبت مجموع الأمة بوجوب الصيام، إذا ثبتت رؤية الهلال، أو إكمال العدة إذا لم تثبت الرؤية، وهذا يتفق مع أحكام الشرع، وأوضاع الكون، وسهولة وصول الأخبار، كما يقود إلى مقاصد الشريعة التي دعت إلى وحدة المسلمين واجتماعهم في أداء عباداتهم، وشعائرهم الدينية، خاصة في هذا الزمان الذي أصبح العالم فيه - بفضل تقدم وسائل الإعلام والاتصالات - قرية صغيرة تنتشر فيها الأخبار بسرعة هائلة.
فعلى المسلمين في ديارنا المباركة العناية مساء يوم التاسع والعشرين من شعبان والتي توافق لهذا العام مساء يوم الثلاثاء، 15/5/ 2018م، بتحري رؤية هلال شهر رمضان المبارك لهذا العام، فإن ثبتت الرؤية كان يوم الأربعاء الذي يليه أول أيام الصيام، وإلا كان مكملاً لشهر شعبان، ويوم الخميس الذي يليه هو الأول من شهر رمضان.

فضل شهر رمضان
أشاد الله تعالى بشهر رمضان، وذكر سبحانه بعض فضائله ومآثره، فقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...}. (البقرة: 185)
وفي شهر رمضان ليلة القدر التي عظمها الله تعالى، ورفع شأنها، وميزها بالفضل والخير عن باقي الليالي والأزمنة، فقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ* سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ}. (سورة القدر)
واختص شهر رمضان بخصائص، منها زيادة فضل الجود فيه، وعرض القرآن من قبل الوحي جبريل، عليه السلام، على الرسول، صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، أَجْوَدَ الناس بِالْخَيْرِ، وكان أَجْوَدُ ما يَكُونُ في رَمَضَانَ، حين يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكان جِبْرِيلُ، عليه السَّلام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ في رَمَضَانَ، حتى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، القُرْآنَ، فإذا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، عليه السَّلام، كان أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ من الرِّيحِ المُرْسَلَةِ). (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يكون في رمضان)
وفي شهر رمضان المبارك تفتح أبواب الرحمة المهداة من رب السماء والأرض إلى الخلق، وبخاصة الصائمين منهم، فيقول صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعاً) ويقول صلى الله عليه وسلم: (إذا كان رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان)
ويكفي المسلمين نفعاً وخيراً من رمضان أن الله يغفر لمن صامه منهم مخلصاً، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان)

ابتهال إلى الله جل في علاه
بمناسبة قرب حلول شهر رمضان، نبتهل إلى الله العلي القدير، أن يجعله شهر خير، وأن يمنَّ علينا فيه بالبركة، والعز، والنصر، وأن يجمع كلمتنا على الحق والخير.
ونسأله تعالى أن يخص أبناء شعبنا الصابر المرابط بوحدة الكلمة، وجمع الشمل، وأن يهديهم إلى ما فيه خير البلاد والعباد؛ ليحافظوا على مقدسات تتهددها الأخطار، وأرض ينهشها الاستيطان، وحقوق يتهددها الانتهاك لتضارب المصالح الإقليمية. مما يستدعي وقفة مع الذات؛ لمراجعة الحساب قبل فوات الأوان، ولات ساعة مندم.
ونتضرع إلى الله العلي القدير فيه وقبله وبعده أن يطلق سراح أسرانا البواسل، وأن يحسن خلاصهم، وأن يحفظهم
وأهلهم وذرَارِيهم، وأن يتقبل شهداءنا في عليين مع النبيين والصديقين والصالحين، ويجعلهم شفعاء لآبائهم وأمهاتهم وذويهم.
اللهم أهلَّ علينا هلال رمضان بالخير، والعفو، والرضوان، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن يهتدون بهدي رسولك الأسوة، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
25 شعبان 1439هـ

تاريخ النشر  2018-05-11
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس