.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يحذر مما يضيع أجر الصيام وغيره من العبادات  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم)
الصيام عبادة يؤديها المؤمنون تقرباً إلى الله تعالى وفق ما أمر سبحانه، فيمسكون عن تناول الطعام والشراب وباقي المفطرات في نهار الصيام، الذي يبدأ من بزوغ الفجر، وينتهي بغروب الشمس، وحتى ينال الصائم أجر صيامه ومثوبته، ينبغي له أن يراعي الكف عن مثالب السلوك التي لا يفطر الصائم بسببها، لكنها تفسد عليه فرصة الفوز بثواب الصيام الموعود، حيث مغفرة الذنوب، والعتق من النار، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (من صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ)(صحيح البخاري)، وفي مقابل الوعد بمغفرة ذنوب من صام من منطلق الإيمان والاحتساب، يأتي التحذير من اقتراف الذنوب، التي قد لا يلقي لها الصائم بالاً، لكنها تضيع عليه جني ثمرة صيامه، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه أعلاه، يبين أن الله ليس بحاجة إلى جوع الصائم وعطشه، وقد جاء في فتح الباري، عن ابن بطال، أن الله لم يأمر الذي يقول الزور بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وأما قوله: (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ) فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة، وقال ابن المنير، بل هو كناية عن عدم القبول، كما يقول المُغضَب لمن رد عليه شيئاً طلبه منه، فلم يقم به، لا حاجة لي بكذا، فالمراد رد الصوم المتلبس بالزور، وقبول السالم منه، وقريب من هذا قوله تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ...}(الحج:37)، فإن معناه لن يصيب رضاه الذي ينشأ عنه القبول، وقال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث، أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور، وما ذكر معه، وقال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمّارة، للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك، لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله: (ليس لله حاجة) مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب، وأراد المسبب، والله أعلم.
واستدل بهذا الحديث على أن هذه الأفعال تنقص ثواب الصوم، ويرى السبكي أن ذكر هذه الأمور يدل على أمرين، أحدهما: زيادة قبحها في الصوم على غيرها، والثاني البحث على سلامة الصوم عنها، وأن سلامته منها صفة كمال فيه، وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك؛ لأجل الصوم، فمقتضى ذلك، أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، قال: فإذا لم يسلم عنها نقص، ثم قال: ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء، وينبه بها على أخرى، بطريق الإشارة، وليس المقصود من الصوم العدم المحض، كما في المنهيات؛ لأنه يشترط له النية بالإجماع، ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله، وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، فيكون اجتناب المفطرات واجباً، واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات، والله أعلم. (بتصرف عن فتح الباري،4/117-118)
فالصيام عبادة ترتبط جذرياً بسلوك الصائم، فإن اعتراه سوء، أفقده خاصية الامتياز والإثمار، لأنه يصبح شكلاً فارغاً من الفحوى والمضمون، والله تعالى ضرب مثلاً للمثمر من الأعمال وغيرها، فيقول تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} (الرعد:17)

المفلسون
التحذير الوارد في الحديث أعلاه من ضياع ثواب الأعمال الصالحة كالصيام، بسبب التلبس ببعض الأعمال والأقوال المشينة التي تصدر عن الصائم، تلتقي معه تحذيرات أخرى وردت في بعض الآيات القرآنية، أو الأحاديث النبوية الشريفة، فعن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (أَتَدْرُونَ ما الْمُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينَا من لا دِرْهَمَ له ولا مَتَاعَ، فقال: إِنَّ الْمُفْلِسَ من أُمَّتِي يَأْتِي يوم الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قد شَتَمَ هذا، وَقَذَفَ هذا، وَأَكَلَ مَالَ هذا، وَسَفَكَ دَمَ هذا، وَضَرَبَ هذا، فَيُعْطَى هذا من حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا من حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قبل أَنْ يُقْضَى ما عليه، أُخِذَ من خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، يشبه حال العابد صاحب الفضائل حين يظلم الناس أو يسيء إليهم، بحال المفلس، الذي يأتي يوم القيام خاسراً، خالي الوفاض، ليس في جعبته شيء من ثواب الأعمال الطيبة التي قدمها في دنياه، بسبب ما حمله من وزر التعدي على الناس وعلى أعراضهم، فيقتصون منه بالأخذ من حسناته، فإذا انتهت وبقيت لهم حقوق عليه، أسقطوا من أوزارهم على كاهله، حتى يصبح مداناً مثقلاً بالسيئات والآثام، وتكون في النهاية النار مثواه.
والله جل في علاه أخبر عمن وصفهم بالأخسرين أعمالاً، الذين خدعتهم أعمالهم في الدنيا، وظنوا أنها فهلوة وذكاء وحذلقة، وهي في الحقيقة أذى عليهم ووبالاً، لأنها لم تكن منضبطة بهديه سبحانه، فقال تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (الكهف:103-104) وفي موضع قرآني آخر، يقول تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً}(الفرقان:23)؛ أي أن الله يعمد إلى أعمال الخير التي قدمها بعض الناس في الدنيا من الصدقات، وصلة الأرحام، وغير ذلك، فيجعلها هباء منثوراً، وذلك كناية عن رفض ما عملوا من الحسنات كإطعام المساكين وصلة الأرحام وغير ذلك، وأنها لا تنفعهم بسبب ما اعتراها من خلل، والهباء هي الأجرام الدقيقة من الغبار، التي لا تظهر إلا حين تدخل الشمس على موضع ضيق، والمنثور المتفرق. (التسهيل لعلوم التنزيل، 3/77)
من هنا جاءت التوجيهات الدينية للمؤمن ليتحلل ممن أساء إليه في الدنيا، مستبقاً بذلك مرحلة الحساب الآخروي، التي يقتص فيه المظلومون من الظالمين، فصلى الله عليه وسلم، يقول: (من كانت له مَظْلَمَةٌ لأحد من عِرْضِهِ، أو شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَوْمَ قبل أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ، إن كان له عَمَلٌ صَالِحٌ، أُخِذَ منه بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لم تَكُنْ له حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عليه) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يبين مظلته)
من هنا كان لا بد لمن يحرص على الفوز بثواب الآخرة، والنجاة من جحيمها، أن يعمل لذلك.
والله تعالى يقول: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} (هود:15)

العبرة بالخواتيم
من الأمور التي يجدر التنبيه إليها في مقام التحذير من ضياع ثواب الأعمال الصالحة، الحرص كل الحرص على أن تكون خاتمة الأعمال صالحة، فالعبرة بخواتيم الأعمال، وصلى الله عليه وسلم، يقول: (...فإن الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ) (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته)
وهذا الحرص حثَّ عليه رب العزة سبحانه، لما أمر المؤمنين أن لا يموتوا إلا وهم مسلمون، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران:102)
هدانا الله لنكون ممن حفظهم من الخسران، وجازاهم بالإحسان واللطف والرحمة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
9 رمضان 1439هـ

تاريخ النشر  2018-05-25
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس