.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يربط قلوب مسلمي العالم وعقيدتهم وعبادتهم وتاريخهم وتراثهم بالمسجد الأقصى المبارك - الحلقة الثانية والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) (صحيح البخاري)
تعرضت الحلقة السابقة إلى الأهمية التاريخية لوجود المسجد الأقصى، فهو ثاني المساجد وجوداً على وجه الأرض، مما يعني تمتعه بعراقة تاريخية مميزة، والإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى، لم يكن أمراً عارضاً، ولا عبثاً دون غاية مقصودة، بل فيه تجلى الربط العقائدي بين المسجدين؛ الحرام في مكة المكرمة، والأقصى في بيت المقدس، ووثق هذا الربط المتين بفاتحة سورة الإسراء، التي يتعبد مسلمو الدنيا بتلاوتها في صلاتهم وخارجها، والمسجد الأقصى كان قبلة المسلمين الأولى، قبل أن تحول إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة، وفي الحديث أعلاه يتجلى وجه آخر من وجوه الربط المؤكدة بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام في مكة، حيث تم حصر التعبد إلى الله بشد الرحال إلى المساجد بهما، مضافاً إليهما المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة.

معنى شد الرحال إلى المسجد الأقصى
الرحل للبعير كالسرج للفرس، والمراد بشد الرحل هنا التجهز للسفر، الذي يمكن أن يكون اليوم بوسائل المواصلات الأخرى.
والمقصود بنفي شد الرحال في الحديث أعلاه إلا عن المساجد الثلاثة هو النهي عن قصد مساجد غيرها بالسفر تقرباً إلى الله تعالى، فلا مساجد تقصد ويسافر إليها بقصد زيادة الأجر والمثوبة سواها. (بتصرف عن عمدة القاري، 7/252- 253)

حكم زيارة المسلمين للأراضي الفلسطينية بعامة والمسجد الأقصى المبارك في ظل الاحتلال
قد يكون من المفيد في مقام الحديث عن ربط قلوب مسلمي العالم وعقيدتهم وعبادتهم وتاريخهم وتراثهم بالمسجد الأقصى المبارك، التذكير بالفتوى التي صدرت عن دار الإفتاء الفلسطينية، حول حكم زيارة المسلمين للأراضي الفلسطينية بعامة، والمسجد الأقصى المبارك بخاصة، في ظل الظروف الحالية، حيث أشارت مقدمة تلك الفتوى إلى بعض مسوغات إصدارها، فجاء فيها: أنه في ظل تصاعد الهجمة الاحتلالية على مدينة القدس، سعياً لتهويدها بالكامل، ومحاولة طمس معالمها الإسلامية، ووضع اليد على المسجد الأقصى المبارك، وتدنيس رحابه يومياً باقتحام المستوطنين، وإقامتهم الشعائر والترانيم التوراتية المزعومة، بمشاركة حاخامات وقادة سياسيين تحت حماية أفراد شرطة الاحتلال، لفرض واقع جديد، وتمهيداً للتقسيم الزماني والمكاني للمسجد
الأقصى المبارك بين المسلمين واليهود، إضافة إلى التهديد بهدم المسجد الأقصى؛ بهدف إقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، لا قدّر الله.
وحين أصدرت دار الإفتاء الفلسطينية فتواها حول المسألة المشار إليها آنفاً، أكدت على بعض المبادئ ذات الصلة، منها:
أولاً: إن رحاب المسجد الأقصى المبارك، وأسواره وأبنيته، وأفنيته، وقبابه، وأروقته، ومصاطبه، وأسفل المسجد الأقصى وأعلاه، هي وقف إسلامي إلى قيام الساعة، وهي حق خالص للمسلمين لا يشاركهم فيه أحد، فالمسجد الأقصى المبارك اسم لكل ما دار حوله السور الواقع في أقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من مدينة القدس القديمة المسوّرة بدوْرها، ويشمل كلاً من قبة الصخرة المشرّفة، (ذات القبة الذهبية) والموجودةِ في موقع القلب بالنسبة إلى المسجد الأقصى، والمصلى القِبْلِي، (ذي القبة الرصاصية السوداء)، والواقعُ أقصى جنوب المسجد الأقصى، ناحية (القِبلة)، فضلاً عن نحو 200 مَعْلمٍ آخر، ما بين مصليات، ومبانٍ، وقباب، وأروقةٍ، ومدارس، وأشجار، ومحاريب، ومنابر، ومآذن، وأبواب، وآبار، ومكتبات؛ يقول مجير الدين الحنبلي في كتابه (الأنس الجليل): "إنّ المتعارف عند الناس أنّ الأقصى من جهة القِبلة الجامع المبني في صدر المسجد الذي فيه المنبر والمحراب الكبير، وحقيقة الحال أن الأقصى اسم لجميع المسجد مما دار عليه السور، فإن هذا البناء الموجود في صدر المسجد وغيره، من قبة الصخرة والأروقة وغيرها محدثة، والمراد بالأقصى ما دار عليه السور". (الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل: 1/ 20)
ثانياً: إن السيادة على المسجد الأقصى المبارك والولاية عليه، حق قرره الله لهذه الأمة الإسلامية وحدها، وورثته عن نبيها، عليه الصلاة والسلام، وسلفها الصالح، وترعى هذا الحق دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية.
ثالثاً: إن المسجد الأقصى المبارك هو جزء من عقيدة المسلمين؛ لارتباطه بمعجزة الإسراء والمعراج، وهو قبلة المسلمين الأولى، فقد صلى المسلمون قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهراً بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، ثم تحولوا بأمر الله تعالى إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة.
رابعاً: إن المسجد الأقصى المبارك مرتبط بعبادة المسلمين؛ فقد دعا النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى شد الرحال إليه.
خامساً: إن فلسطين أرض باركها الله في كتابه العزيز، وأسرى إليها برسوله المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وأخبر الله عن ذلك.
وإن من أبرز واجبات الأمة الإسلامية أن تعمل جهدها لتحرير هذه الأرض المباركة، ومسجدها الأقصى، حتى تكون مفتوحة لمن يشد الرحال إليها، ابتغاء رضوان الله وثوابه، ومن المؤكد أن شد الرحال إلى المسجد الأقصى في ظل الاحتلال يختلف عنه في ظل الحرية والأمان، فإذا أدرك المسلمون مدى مسؤوليتهم وواجبهم نحو الأرض الفلسطينية والقدس ومقدساتها، فلا يوجد ما يمنع شرعاً من زيارتها، في إطار الضوابط الشرعية الآتية:
• رفض تكريس الوضع الاحتلالي للأرض الفلسطينية والقدس والمسجد الأقصى المبارك.
• تجنب الخوض في أي إجراء يصب في مصلحة تطبيع علاقات المسلمين مع الاحتلال، الذي يأسر أرضنا وشعبنا وقدسنا وأقصانا.
• التنسيق مع الجهات الفلسطينية المسؤولة، التي تتولى المسؤولية عن زيارات الأرض المحتلة.
• أن تكون الزيارة للأرض الفلسطينية تأكيداً لهويتها العربية والإسلامية، ورفضاً للاحتلال، وعوناً للمرابطين فيها على الصمود حتى التحرير.
وخلصت تلك الفتوى إلى دعوة كل من يستطيع من أبناء فلسطين، وخارجها إلى وجوب شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك؛ لإعماره، والصلاة فيه، وتكثير سواد المسلمين المرابطين في رحابه، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
ومن دواعي التشديد على ضرورة الاهتمام بشد الرحال إلى المسجد الأقصى تبعاً لآخر الأحداث والمستجدات، ذلك القرار الأمريكي الباطل من أساسه، والذي ينزع حق العرب والمسلمين بالقدس، ويمنحها هدية لكيان الاحتلال، ذلك القرار الذي يصادم عقيدة مسلمي العالم أجمع، إضافة إلى مصادمته الواقع والتاريخ، ومتطلبات السلم العالمي.

القدس والمسجد الأقصى في بؤرة اهتمام مسلمي العالم ورعايتهم
في ضوء ما سبق؛ فلا مجال لأي مشكك أو مرتاب بأن يمحو من إيمان المسلمين أن القدس لهم، والمسجد الأقصى مسجدهم، شاء من شاء، وأبى من أبى، مع التنبيه إلى أن المسجد الأقصى ليس للفلسطينيين والمقدسيين وحدهم، بل هو للمسلمين جميعاً، ولا ينحصر دورهم تجاهه في نطاق حب الأفئدة المجرد، بل يتعدى ذلك إلى نطاق فعلهم ومشيهم نحوه وترحالهم إليه تعبداً إلى الله، وطلباً لمثوبته سبحانه ورضاه.
فالثوابت الراسخة في عقيدة المسلمين وتاريخهم ووجدانهم، تشير إلى جذور الصلة بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام، مما يحتم البراءة من أي مسلم يقصر في أداء واجبه تجاه هذين المسجدين، اللذين يقبع أحدهما في أسر الظالمين وكيدهم ودائرة تربصهم واستهدافهم، ومما يشد الانتباه، ويحفز التدبر، أن المسجد الأقصى في هذه المكانة الرفيعة التي يحتلها يتشارك مع المسجد الحرام في مكة، فهو أول مسجد وضع في الأرض لعبادة الله، تلاه المسجد الأقصى، وهو القبلة الأخيرة، والمسجد الأقصى القبلة الأولى، ومنه كان منطلق الإسراء، وإلى المسجد الأقصى كان منتهاه، وهو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها تعبداً، ومعه المسجد النبوي في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى.
فهل يصدق عاقل بعد هذا أن المكانة التي يحتلها المسجد الأقصى في الإسلام يمكن أن تلغى بجرة قلم من الخلق جميعاً، ولو اجتمعوا له، ما دامت هذه المكانة قررها الله جل في علاه، وأكدها خاتم النبيين محمد صلى الله على محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
4 ربيع الآخر 1439هـ

تاريخ النشر  2017-12-22
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس