.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينهى عن الحسد - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: (قلت لابن عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هذا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ، أَسُنَّةٌ هو؟ فإن قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قال: فقال: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قال: قلت: ما قَوْلُكَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ مَكَّةَ، فقال الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ من الهزال، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ، قال: فَأَمَرَهُمْ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثًا وَيَمْشُوا أَرْبَعًا...) (صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة وفي الطواف الأول في الحج)
يتناول هذا الحديث الصحيح في جانب منه تعليل جانب من عداء المشركين للنبي، صلى الله عليه وسلم، من خلال إرجاع ذلك إلى حسدهم إياه، وقد جاء في التفسير الكبير، أن القوم إنما نازعوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعاندوه، واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين؛ الكبر والحسد، أما الكبر فلأن تكبرهم، كان يمنعهم من الانقياد، وأما الحسد، فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان، والدخول في الكفر، فهذه بلية قديمة، ومحنة عظيمة للخلق. (التفسير الكبير،21/3)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، أمر الصحابة بالرمل ثلاثاً في الطواف، ليظهروا جلدهم، وقوة بأسهم للظانين، أنهم ضعفوا عن الطواف بالبيت، وليعلم حاسدوهم بما أنعم الله عليهم من الهداية والرشاد.
والشاهد من هذا الحديث هنا أن الحسد يدفع إلى العداء والأذى، بغض النظر عن الجهة الحاسدة أو المحسودة، وعن سبب الحسد وأساليبه، ومن شواهد فعل الأذى بسبب الحسد ما ذكره القرآن الكريم عن إخوة يوسف عليه السلام، حيث قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ* اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} (يوسف:7-9)

الوقاية من الحسد وعلاجه
لا يعني إقرار وجود الحسد وآثاره الدعوة إلى الاستسلام له، أو الوسوسة منه والرعب، فما يكون من أمر على هذا الوجود إلا بأمر الله، وقد أشار الله جل في علاه إلى هذه الحقيقة، في سياق الحديث عن قضية مشابهة للحسد، ألا وهي قضية السحر، فقال جل شأنه: {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 102)، فلا يتم شيء من الخلق خيراً أو شراً إلا بإرادة الله تعالى، مصداقاً لقوله سبحانه: {...وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} فالضرر الحقيقي لا يقع إلا بإذن الله، ولو شاء لمنع وقوعه، فلو صبر القاتل على المقتول لمات حتف أنفه، إذ الأمور تجري وفق قضاء الله وقدره، والمؤمن يعتقد جازماً أن الله خلق الكون، ويصرف أمره كيف يشاء، وأنه لا راد لفضله ولا لقضائه، وآثار الحسد تصيب المحسود بإذن الله، ولو شاء سبحانه أن يصرفها لعطلها بشكل من الأشكال، ولو أصابت المقصود بها فيكون ذلك بقضاء وقدر أجراه الله على يد الحاسد أو عينه.

الرقية من العين والحسد
انطلاقاً من القاعدة الإيمانية سالفة الذكر، فإن وقوع آثار الحسد ممكن لكنه ليس حتمياً، والوقاية منه مشروعة، وكذلك معالجته، بشرط تقيد ذلك كله بأحكام الشرع وضوابطه، من هنا كان النهي عن اقتراف الحسد ابتداء، ونزلت المعوذتان وغيرهما من السور والآيات القرآنية التي تقي من شر الحاسدين والساحرين، وإذا ما أصاب الحسد شخصاً، فقد جاء في الآثار الصحيحة ما يوجه إلى حسن المعالجة الإيمانية لهذه الآفات، من خلال قراءة القرآن الكريم، والرقى الشرعية الواردة في الآثار الصحيحة، ومن ذلك ما جاء عن ابن عَبَّاسٍ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كان شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ، سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وإذا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا) (صحيح مسلم، كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى)
وفي الديباج على مسلم، أن جماهير العلماء أخذوا بظاهر هذا الحديث، وأنكره طوائف المبتدعة، والدليل على فساد قولهم إن كل معنى ليس مخالفاً في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فإنه من مجوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده، ولا يجوز تكذيبه، ومن فرق بين تكذيبهم بهذا، وتكذيبهم بما يخبر به من أمور الآخرة، قال ومذهب أهل السنة أن العين تفسد وتهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى، أجرى الله العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر.
وقوله: (وإذا استغسلتم فاغسلوا): هذا أمر وجوب، ويجبر العائن على الوضوء للمعين، على الصحيح،
قال: ويبعد الخلاف فيه إذا خشي على المعين الهلاك، وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبراءة به، أو كان الشرع أخبر به خبراً عاماً، ولم يكن زوال الهلاك إلا به، فإنه يصير من باب من تعين عليه إحياء نفس مشرفة على الهلاك، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر، فهذا أولى.
قال: وصفته عند العلماء أن يؤتى بقدح ماء، ولا يوضع القدح في الأرض، فيؤخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يمجها في القدح، ثم يؤخذ منه ما يغسل به وجهه، ثم يأخذ بشماله ما يغسل به كفه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه
الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثم يغسل قدمه اليمنى، ثم اليسرى، ثم ركبته اليمنى، ثم اليسرى، على الصفة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة إزاره، وهو الطرف المتدلي الذي يلي الأيمن، وإذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه، قال: وهذا المعنى لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه، وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات، فلا يدفع هذا بأن لا يعقل معناه.
وقال القاضي: في هذا الحديث من الفقه ما قاله بعض العلماء إنه إذا عرف أحد بالإصابة بالعين يجتنب ويحترز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيراً رزقه ما يكفيه، ويكف أذاه عن الناس، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي، صلى الله عليه وسلم، دخول المسجد لئلا يؤذي المسلمين، ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر والخلفاء بعده الاختلاط بالناس، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها إلى حيث لا يتأذى بها أحد. قال النووي: وهذا الذي قاله هذا القائل صحيح متعين، ولا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. (الديباج على مسلم، 5/205)
فعلاج الحسد يكون بقراءة القرآن ودعاء الله أن يذهب البأس، ولا يكون علاجه عن طريق الخزعبلات أو الاستجارة بممارسيها ممن يزعمون معرفة الغيب والقدرة على رد البلاء، وشفاء المسحورين والمصابين بالعين بوسائل غير مشروعة من الطلاسم وأشباهها، والرسول، صلى الله عليه وسلم، حذر من مراجعة العرافين، فقال: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً). (صحيح مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان)
فهذه بعض التوجيهات الشرعية الواردة بشأن الحسد والوقاية منه ومعالجته إذا ما وقع، عسى أن تفيد المهتمين بالاطّلاع على هذا الموضوع، حتى يربأوا بأنفسهم عن الوقوع في زلل الفهم لمثل هذه المسألة، وينأوا بأنفسهم كذلك عن أخطاء معالجة مثل هذه القضايا، راجين أن ييسر الله متابعة الحديث عن هذا الموضع وأبعاده في الحلقة القادمة، من زاوية الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله، وأزواجه، وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
30 محرم 1439هـ

تاريخ النشر  2017-10-20
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس