.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينهى عن الحسد -الحلقة الثالثة والأخيرة  

==========================================================

 جاء في صحيح البخاري، بَاب رُقْيَةِ النبي، صلى الله عليه وسلم، وفيه عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أن ثَابِتاً قال: (يا أَبَا حَمْزَةَ؛ اشْتَكَيْتُ، فقال أَنَسٌ: ألا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: بَلَى، قال: اللهم رَبَّ الناس، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أنت الشَّافِي، لا شَافِيَ إلا أنت، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا) (صحيح البخاري، كتاب الطب، باب رقية النبي، صلى الله عليه وسلم)
في الحلقة الأولى، من حلقات النهي عن الحسد، تم بيان معنى الحسد والفرق بينه وبين الغبطة، وأثر الحسد على المحسود، فالعين حق؛ أي الإصابة بها شيء ثابت موجود، والحسد غير الغبطة المشروعة، والحسد يرفضه الشرع ويمقته، وهو يدفع إلى العداء والأذى، بغض النظر عن الجهة الحاسدة أو المحسودة، وعن سبب الحسد وأساليبه، وتم التعرض إلى مسألة الوقاية من الحسد وعلاجه، مع التأكيد على أن الإيمان بوجود الحسد، وآثاره لا يعني الدعوة إلى الاستسلام له، أو الوسوسة منه والرعب، فلا يكون من أمر على هذا الوجود إلا بأمر الله وقضائه وقدره، ومما يتعلق بهذا الموضوع مسألة الرقية من العين والحسد، فالوقاية منه مشروعة، وكذلك معالجته، بشرط تقيد ذلك كله بأحكام الشرع وضوابطه، مع التنويه إلى أن للعلماء آراء في الرقى، وكيفية التعوذ بها.

الاختلاف في حكم الرقى والنفث والتعليق
الحديث أعلاه يتضمن النص على ألفاظ إحدى الرقى المشروعة، مما يعني أن الرقى الشرعية مشروعة، سواء لمن أصابته عين أو غير ذلك، فعن عبد الرحمن بن الأَسْوَدِ، عن أبيه، قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن الرُّقْيَةِ من الْحُمَةِ، فقالت: رَخَّصَ النبي، صلى الله عليه وسلم، الرُّقْيَةَ من كل ذِي حُمَةٍ) (صحيح البخاري، كتاب الطب، باب رقية الحية والعقرب)
قوله: (من كل ذِي حُمَةٍ) المراد بها ذوات السموم، ووقع في رواية الترخيص في الرقية من الحية والعقرب. (فتح الباري 10/206)
وبين الرازي في تفسيره الاختلاف في حكم الاستعانة بالرقى والعوذ، مبيناً أن منهم من قال إنه يجوز، واحتجوا بوجوه، نورد بعضها مخرجة ومسندة إلى مصادرها، دون الخوض في شرحها، بغية الاختصار والإجمال:
أحد تلك الوجوه أَنَّ جِبْرِيلَ أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا محمد، اشْتَكَيْتَ؟ فقال: نعم، قال: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ من كل شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، من شَرِّ كل نَفْسٍ، أو عَيْنِ حَاسِدٍ، الله يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ) (صحيح مسلم، كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى)
وثانيها، عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إذا أتى الْمَرِيضَ يَدْعُو له، قال: أَذْهِبْ الباس رَبَّ الناس، وَاشْفِ أنت الشَّافِي، لا شِفَاءَ إلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا) (صحيح مسلم، كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض)
وثالثها، عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم: (كان يَنْفِثُ على نَفْسِهِ في مَرَضِهِ الذي قُبِضَ فيه بِالْمُعَوِّذَاتِ، فلما ثَقُلَ كنت أنا أَنْفِثُ عليه بِهِنَّ، فَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا) - فَسئل ابن شِهَابٍ- كَيْفَ كان يَنْفِثُ؟ قال: يَنْفِثُ على يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ. (صحيح البخاري، كتاب الطب، باب في المرأة ترقي الرجل)
ورابعها، عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما: أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، دخل على أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قال: وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا دخل على مَرِيضٍ يَعُودُهُ، قال: لا بَأْسَ، طَهُورٌ إن شَاءَ الله، فقال له: لا بَأْسَ، طَهُورٌ إن شَاءَ الله، قال: قلت: طَهُورٌ؟! كَلا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ، - أو تَثُورُ- على شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: فَنَعَمْ إِذًا) (صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام)
ومن الناس من منع من الرقى، لقول نَبِيّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، قالوا: وَمَنْ هُمْ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: هُمْ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ، ولا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ، فقال: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي منهم، قال: أنت منهم، قال: فَقَامَ رَجُلٌ، فقال: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي منهم، قال: سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ) (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب)
وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون النهي عن الرقى المجهولة، التي لا تعرف حقائقها، فأما ما كان له أصل موثوق فلا نهي عنه.(التفسير الكبير، 32/174)
واختلفوا في التعليق، فمنهم من منعه، مستدلين بقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من تعلق شيئاً وكل إليه) (المستدرك على الصحيحين، 4/241)، ومنهم من جوزه. (مصنف ابن أبي شيبة، 5/44)
واختلفوا في النفث أيضاً، فعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، نَفَثَ في يَدَيْهِ، وَقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ) (صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ والقراءة عند المنام)
ومنهم من أنكر النفث، قال أبو عمر: قد كره التفل والنفث في الرقية جماعة، منهم إبراهيم النخعي والضحاك وعكرمة. والتفل ما فيه بصاق يرميه الراقي بريح فمه، وقيل التفل البصاق نفسه، والنفث ما لا بصاق فيه.
قال أبو عمر: ولا حجة مع من كره ذلك، إذ قد ثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه نفث في الرقى، وكانت عائشة ترقي وتنفث، وقال ابن سيرين ما أعلم به بأساً، وكان الأسود يكره النفث في الرقية، ولا يرى بالنفخ بأساً. (الاستذكار، 8/410 ـ 411)

الاستعاذة من شر الحاسد
نهى الشرع عن اقتراف الحسد ابتداء، ونزلت المعوذتان، وإذا ما أصاب الحسد شخصاً، فقد جاء في الآثار الصحيحة ما يوجه إلى حسن المعالجة الإيمانية لهذه الآفات، من خلال قراءة القرآن الكريم، والرقى الشرعية الواردة في الآثار الصحيحة، ومن ذلك المعالجة عن طريق الاغتسال، وليس أدل على شر الحاسد، وتأثير الحسد مما علمنا الله إياه في سورة الفلق، من الاستعاذة من شر حاسد إذا حسد، والتي جاءت مقترنة مع الاستعاذة من شر السحر، فقال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ* مِن شَرِّ مَا خَلَقَ* وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ* وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ* وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (سورة الفلق)، وقد قرنت هذه السورة الكريمة الاستعاذة من شر الحاسد بالاستعاذة من شر السحرة، وعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أَوَى إلى فِرَاشِهِ، كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: قُلْ هو الله أَحَدٌ، وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا، ما اسْتَطَاعَ من جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا على رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وما أَقْبَلَ من جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ) (صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات)، فتشرع معالجة الحسد بالاستعاذة والرقى والقرآن.

التحذير من الخرافات
وكتابة بعض الأقوال على المركبات أو داخل البيوت تدل على مدى الرعب من الحسد، والتحرز من الحاسدين، ويعبر بعض الناس عن الرعب من العين، والخوف من الحسد، بسلوكات تنم عن وهم يقترن أحياناً بأعمال خرافية، تنبع من نسج خيال وخزعبلات ما أنزل الله بها من سلطان، ومن ذلك تعليق الخرزة الزرقاء، أو أحذية مقلوبة، أو حذوة حصان، أو استخدام بعض أنواع البخور لطرد أثر العين الشريرة، فذلك وما شابهه من أعمال يصدق الحكم عليها بأنها خرافات الدين منها براء.
وهنا تنبغي الإشارة إلى أن بعض الناس يخطئون في تشخيص أحوالهم ومشكلاتهم من خلال إحالتها إلى الحسد وعيون الناس، وقد تكون لها أسباب أخرى، من هنا يقعون في خطأ العلاج، الذي يكون أحياناً من نوع آخر، حين تكون الأسباب غير الحسد، إذ قد تكون صحية أو اجتماعية أو غير ذلك، مما يستلزم التدقيق في التشخيص للوصول إلى العلاج الملائم، وذلك حسب الحالة وظروفها، سائلين الله العلي القدير أن يعافينا من شر الحسد والحاسدين، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله، وأزواجه، وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين
7 صفر 1439هـ

تاريخ النشر  2017-10-27
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس