.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ينهى عن الحسد - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديث، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر)
حرص الإسلام على تعديل سلوك المسلمين ليتماشى مع روحه وقيمه، ومن بين المثالب السلوكية التي نص الحديث الشريف أعلاه على النهي عنها، الحسد، الذي يتعارض وجوده مع الإيمان، فلا يجتمع الإيمان والحسد في نفس واحدة، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يَجْتَمِعُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَيْحُ جَهَنَّمَ، وَلا يَجْتَمِعُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ الإِِيمَانُ وَالْحَسَدُ)(صحيح ابن حبان، وقال الأرنؤوط: إسناده حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي)

معنى الحسد والفرق بينه وبين الغبطة
جاء في معاجم اللغة أن معنى الحسد أن يتمنى المرء أَن تتحول إِليه نعمة امرئ آخر وفضيلته، أَو يسلبهما هو، بينما الغبط أَن يتمنى أَن يكون له مثلها، ولا يتمنى زوالها عنه. (لسان العرب: 4/115)
والفرق بين المعنيين واضح، إذ الحاسد لم يقتصر على تمني أن يكون له مثل ما عند غيره من الخير والنعم، وإنما يتمنى زوال ذلك عن غيره، وأن يتحول له، بينما الغابط، يحب أن يكون عنده مثل ما عند غيره من النعم، دون تمني سلبها منه.
والإنسان بطبعه يعجب بالأمور الحسنة ويتمناها، لكنه يقع في المحظور والإثم إذا أرفق مع تمني الحصول على مثل ما عند غيره من الخير تمنياً شريراً، يتلخص في رجاء أن يستحوذ على خيرات الآخرين دونهم.

أثر الحسد على المحسود
ثبت في الدين أن الحسد يضر أحياناً المحسود، فالعين حق، كما جاء في الحديث الصحيح، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَنَهَى عن الْوَشْمِ) (صحيح البخاري، كتاب الطب، باب العين حق)
جاء في فتح الباري أن معنى (العين حق)؛ أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونه، وقد أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى؛ لأن كل شيء ليس محالاً في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة.
ورد ابن حجر على من زعم أن قوله العين حق، يريد به القدر؛ أي العين التي تجري منها الأحكام، فإن عين الشيء حقيقته، والمعنى أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر إنما هو بقدر الله السابق، لا بشيء يحدثه الناظر في المنظور، ووجه الرد أن الحديث ظاهر في المغايرة بين القدر وبين العين، وإن كنا نعتقد أن العين من جملة المقدور، لكن ظاهره إثبات العين التي تصيب، إما بما جعل الله تعالى فيها من ذلك، وأودعه فيها، وإما بإجراء العادة بحدوث الضرر، عند تحديد النظر، وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة، في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر شيئاً. (فتح الباري، 10/203)
وابن حجر العسقلاني بعد أن استعرض بعض الآراء في تفسير أثر عين الحاسد، ذكر أن الله أجرى العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث للشخص من الاصفرار عند رؤية من يخافه، واحمرار الوجه عند الخجل، وكل ذلك وغيره بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين، نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به؛ لشدة خبث تلك الروح، وكيفيتها الخبيثة، والحاصل أن التأثير في إرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصوراً على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي يحدث من الأدعية والرقى، والالتجاء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي، إن صادف بدناً لا وقاية له، أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما رد على صاحبه، كالسهم الحسي سواء. (فتح الباري، 10/200 - 201)
والمتمعن في مجريات الأمور في أرض الواقع يجد أثر أداة القتل على حدوثه، والموت كغيره من المجريات لا يتم إلا بقدر الله، وكذلك أثر عين الحاسد كأداة مؤثرة في وقوع ضرر على المحسود لا يستغرب وجود أثرها، كما أدوات الحوادث الأخرى، فهي إنما تؤثر فيما أودع الله فيها من خواص، التي لو شاء الله خالقها عطلها أو وقف خواصها، كما نزع خاصية الإحراق من النار لما ألقي فيها إبراهيم، عليه السلام، فأصبحت على نقيضها برداً وسلاماً، مصداقاً لقوله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء: 69)، فلا تعارض بين أثر الحسد والعين، وبين القدر.

الحسد المشروع
الحسد بالمعنى المبين أعلاه مذموم، يرفضه الشرع ويمقته، ويتوعد أصحابه بالعقاب على إثمه، كونه شراً أرادوه لغيرهم من الناس، إذ الأصل في المؤمن أن يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، والحسد يتنافى مع هذا المبدأ، غير أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، استثنى من تحريم الحسد حالتين، بينهما في حديثه الذي يقول فيه: (لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا، فَسُلِّطَ على هَلَكَتِهِ في الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله الْحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بها وَيُعَلِّمُهَا) (صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة)
جاء في شرح قوله: (لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ)؛ أي لا حسد في شيء إلاَّ في اثنتين، أي في خصلتين، فالمعنى لا إباحة في شيء من الحسد إلاَّ فيما كان هذا سبيله، أي لا حسد محمود إلاَّ هذا، وقيل إنه استثناء منقطع، بمعنى لكن في اثنتين.
وقوله: (فسلط على هلكته) في هذه العبارة مبالغتان؛ إحداهما التسليط، فإنه يدل على الغلبة، وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ، والأخرى لفظ (على هلكته) فإنه يدل على أنه لا يبقي من المال شيئاً، ولما أوهم اللفظان التبذير، وهو صرف المال فيما لا ينبغي، ذكر قوله: (في الحق) دفعاً لذلك الوهم، وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغتين، إحداهما الحكمة، فإنها تدل
على علم دقيق محكم، والأخرى القضاء بين الناس، وتعليمهم، فإنها من خلافة النبوة.
وفي الحديث ترغيب في طلب العلم وتعلمه، والتصدق بالمال، وقيل: إنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد، كما رخص في نوع من الكذب، ففي الحديث: (ليس الْكَذَّابُ الذي يُصْلِحُ بين الناس، وَيَقُولُ خَيْرًا، وينمي خَيْرًا، قال ابن شِهَابٍ: ولم أَسْمَعْ يُرَخَّصُ في شَيْءٍ، مِمَّا يقول الناس كَذِبٌ، إلا في ثَلاثٍ، الْحَرْبُ، وَالإِصْلاحُ بين الناس، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وبيان ما يباح منه)
ويلخص العيني أنواع الحسد في ثلاثة أضرب؛ محرم ومباح ومحمود، فالمحرم، تمني زوال النعمة المحسود عليها عن صاحبها، وانتقالها إلى الحاسد، وأما القسمان الآخران فغبطة، وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحدٍ، أن يكون له مثله، فإن كانت في أمور الدنيا فمباح، وإن كانت من الطاعات فمحمود، قال النووي: الأول حرام بالإجماع، وقال بعض الفضلاء: إذا أنعم الله تعالى على أخيك نعمة، فكرهتها وأحببت زوالها فهو حرام بكل حال، إلاّ نعمة أصابها كافر، أو فاجر، أو من يستعين بها على فتنة أو فساد. والله أعلم. (عمدة القاري 2/57-58)
فالحسد بمعنى تمني زوال النعمة عن الآخرين مذموم، بل شر يقترفه شرير، والمؤمن يربأ بنفسه أن يكون حاسداً لغيره في الأحوال جميعها، آملين في الحلقة القادمة متابعة الحديث عن هذا الموضوع، وبخاصة عن علاج المحسود، والوقاية من الحسد، حسب ما جاء في سنة النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله، وأزواجه، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
23 محرم 1439هـ

تاريخ النشر  2017-10-13
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس