أجر الصبر على المصائب
تاريخ الخطبة /  2008-01-25
 الخطبة الأولى :
الحمد لله على كل حال وإليه المرجع والمآل ، سبحانه وتعالى بشر الصابرين على المصائب بالهداية والرحمة والثواب فقال تعالى :- {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }التغابن:11
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نؤمن بما قدر ونصبر على ما حكم به وقضى ودبر ليقيننا بأن كل شيء عنده بكتاب ، فهو سبحانه القائل  {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }الحديد:22 .
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله إمام الصابرين وأسوة المحتسبين دعا إلى الله على بصيرة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين .
فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم واستن سنتهم إلى يوم الدين  .
عباد الله :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله تعالى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }فصلت46 .
أيها المسلمون : أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس :- يا أبناء ديار الإسراء والمعراج :-
وتشتد وطأة العدوان على أبناء شعبنا هناك في غزة هاشم بالحصار الخانق والعدوان الغاشم الذي يستهدف أبناء غزة من رجال ونساء وشيوخ وأطفال مستخدما في ذلك آلته العسكرية في قصف البيوت والمؤسسات ، وتجريف الأراضي وإتلاف الأشجار والمزروعات وقتل مقومات العيش لأبناء شعبنا من خلال جميع الوسائل العدوانية .
ويجري هذا كله ضمن مخطط واضح لكسر إرادة هذا الشعب الصابر في الصمود والتحدي لنيل حقوقه المشروعة في الحرية والعيش بأمان فوق تراب وطنه الطهور .
فالاحتلال الذي غادر غزة بجنوده ومستوطنيه أحكم حصاره البري على القطاع بأكمله في إشارة واضحة بأن الاحتلال لم يرحل وإنما أعاد تنظيم قواته مما يوجب عليه مسؤولية المحافظة على حياة المواطنين الواقعين تحت نير هذا الاحتلال بموجب جميع القوانين والأنظمة والمعاهدات الدولية . فليس من حق سلطة الاحتلال أن تعاقب المدنيين الواقعين تحت الاحتلال بهذه العقوبات الجماعية بمنعهم الغذاء والدواء ومقومات الحياة من الماء والكهرباء والنفط .
أيها المسلمون : يا أخوة الإيمان في كل مكان :-
إن الذي يجري فوق أرضنا الفلسطينية من عدوان مستمر على المواطنين حيث الشهداء والجرحى بالعشرات ولم تتوقف الاقتحامات والمداهمات بل كلما حاول أبناء شعبنا أن يعيدوا تنظيم أمور حياتهم ليثبتوا للعالم أنهم قادرون على إدارة شؤونهم . تدخل الاحتلال بعدوانه من خلال الحواجز ومنع التجوال والاقتحامات ومصادرة المزيد من الأراضي لتوسيع الاستيطان وزيادة الوحدات الاستيطانية فيما هو قائم من المستوطنات والمستعمرات بخاصة حول مدينة القدس لا بل في داخل أحيائها العربية كما هو جار في سلوان ورأس العامود وفي جبل المكبر وجبل أبو غنيم .
وتتم هذه الهجمة الاستيطانية تحت سمع وبصر العالم الذي يتحدث عن سلام في المنطقة ، وأي سلام هذا مع الاستيطان واستمرار العدوان على إنساننا الفلسطيني الذي قدم الكثير الكثير من التضحيات من دماء أبنائه وحرية الآف من أبطاله القابعين خلف قضبان سجون الاحتلال !!
أيها المسلمون :-
إننا ومن علياء هذا المنبر نترحم على قوافل الشهداء من أبناء هذا الوطن الغالي ونسأل الله تعالى أن يسكنهم الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . كما ندعوه تعالى أن يمن على جرحانا بالشفاء العاجل وأن يحسن خلاص أبطال الحرية من أبناء شعبنا الذين نوجه لهم تحية إجلال وإكبار داعين المولى عز وجل أن يعيدهم إلى أهليهم وذويهم وإلى أبناء شعبهم سالمين غانمين . وأن يدفع الغمة عن أبناء هذا الشعب الصابر المرابط ويجعل عاقبته عزاً ونصراً انه نعم المولى ونعم النصير .
وصدق الذي لا ينطق عن الهوى:" إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ " رواه الترمذي وقال حديث حسن . وعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " رواه مسلم .
أو كما قال
فيا فوج المستغفرين استغفروا الله
وادع الله وانتم موقنون بالإجابة .
 الخطبة الثانية :
الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين . واشهد أن لا اله إلا الله أحب لعباده أن يعملوا لدينهم ودنياهم حتى يفوزا بنعم الله وينالوا رضوانه .واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد أيها المسلمون:
يا أبناء أرض الإسراء والمعراج إن ما أبداه أبناء شعبنا في الوطن والمهجر من التكافل والتعاون مع إخوانهم في القطاع الصابر ليدعو إلى الاعتزاز بهذه المواقف النبيلة والشجاعة لأبناء فلسطين الذين ما عرفوا خلال مسيرة جهادهم الطويلة إلا هذه المواقف المشرفة ، التي تكشف عن طيب معدن هذا الشعب وشجاعته في مواجهة الأهوال والمحن . كما تكشف عن صلابة موقفه في التمسك بحقوقه ووطنه مهما اشتدت ضراوة العدوان ومهما ازداد إحكام الأطواق والجدران والحصار .
وإذا كانت وحدة الصف والكلمة والموقف والهدف من المبادئ الدينية والوطنية في حماية الأوطان والذود عن المواطنين فما أحوجنا اليوم وقد توحدت كل الجهود لصد العدوان وفك الحصار أن نعيد اللحمة بين جميع أبناء الوطن . فقد آن أوان الارتفاع إلى مستوى المصلحة العليا التي تحافظ على الوطن والمواطن وأن يتحلى الجميع بالمسؤولية بالتجاوز عن كل الآلام والجراح في سبيل وحدة الشعب للوصول إلى أهدافه المشروعة في خلاص البلاد والعباد من ربقة الاحتلال وسطوة الجلاد .
أيها المسلمون : يا إخوة الإيمان في كل مكان
إن امتنا الإسلامية اليوم مطالبة بتوحيد المواقف وحشد الطاقات من أجل إنقاذ أبناء الشعب الفلسطيني مما يتعرض له من اعتداءات وظلم وعسف، وان يعملوا جميعا حكاما ودولا وحكومات على نصرة هذا الشعب الذي ينوب عن الأمة في رعاية مقدساتها والرباط في الأرض التي باركها الله وبارك حولها وجعلها أمانة في أعناق الأمة يوم حكم بإسلاميتها من فوق سماواته العلى بإسرائه بنبيه عليه الصلاة والسلام إليها وعروجه به منها . {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء:1 .
يا أبناء ديار الإسراء والمعراج :-
إن لكم في خطاب الله تعالى الذي يفتح القلوب ويقرع الأذان خير معين على الصبر والثبات والرباط وتجاوز المصائب والصعوبات فالله تعالى يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }البقرة :153 – 157 . يقول ابن عباس رضي الله عنهما " ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا وغنيمته شكراً " .
ويقول عمر الفاروق رضي الله عنه : ما أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نعم : الأولى : أنها لم تكن في ديني ، الثانية : أنها لم تكن أعظم مما كانت ، الثالثة : أن الله يعطي عليها الثواب العظيم والأجر الكبير{... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }البقرة156 – 157 .
ومن أقوال بعض العارفين " من عرف سرَّ الله في القدر هانت عليه المصائب" .
والله يقول : {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً }الشرح:5 – 6 .
وفي الحديث الشريف " ... لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ .... " رواه مالك .
ولله در القائل
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
    ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
   فرجت وكان يظنها لا تفرج
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس