ثبات غزة أفشل الاحتلال
تاريخ الخطبة /  2009-01-23
 الخطبة الأولى :
الحمد لله وعد المؤمنين بنصره وتوعد الكافرين بقهره وجعل الأيام دولا بعدله ،والعاقبة للمتقين بفضله فقال تعالى: "إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ"(غافر:51) وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرنا بالصبر والثبات والرباط فقال تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"آل عمران(200) وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا وأسوتنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله بين فضل الجهاد والرباط في سبيل الله فقال :" ‏غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (سنن الترمذي،فضائل الجهاد) .
 فالصلاة والسلام على إمام المجاهدين وقدوة المرابطين وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم واستن سنتهم إلى يوم الدين والصلاة والسلام على الشهداء والمكلومين والأسرى والمعتقلين واليتامى والثكالى والمنكوبين من أبناء شعبنا الثابتين المرابطين في قطاعنا الحبيب.
والصلاة والسلام على الساجدين الراكعين من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى المبارك وسائر ديار المسلمين.
عباد الله:
 أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته واحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله تعالى :" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِه وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ "(فصلت :46)  .
أيها المسلمون:
أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، أيها المصلون في المسجد الأقصى المبارك وفي ساحات القدس وشوارعها تحية طيبة مباركة وسلاما ورحمة من الله تعالى نسجيهما باسمكم جميعا لأحبتنا واهلنا الثابتين المرابطين المدافعين عن طهارة الأرض وشرف الامة في غزة هاشم غزة العزة والكرامة والسؤدد، غزة الشهداء والفداء والعطاء بلا حدود ،فقد أذهل صمودكم أيها الاحبة دول وشعوب العالم أمام أعتى آلة عسكرية عدوانية يمتلكها الاحتلال الاسرائيلي الغاشم الذي أمعن في عدوانه ضد الإنسان والحجر والشجر في أرض غزة ولم تسلم المقدسات والمستشفيات والمدارس والجامعات من هذا العدوان الذي انتهك كل المحرمات في الشرائع السماوية والاعراف والقوانين والمعاهدات الدولية بخاصة ما يتعلق منها بحماية المدنيين في وقت الحرب .
أيها المسلمون يا أبناء ديار الإسراء والمعراج: إن قدركم في هذه الديار المباركة أن تكونوا سلسة الرباط الممتدة منذ الفتح العمري لهذه الديار إلى أن يرث الله الأرض وما عليها فقد اختصكم الله تعالى أن تكونوا طليعة الامة الإسلامية المتقدمة تذودون عن شرف الامة وحمى الارض والعرض تواجهون في سبيل ذلك المحن والبأساء والضراء والابتلاء بصبر الصابرين وعزيمة المرابطين والمجاهدين ،تحتسبون ما أصابكم وأنتم تتمثلون قول الله تعالى :" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ "(البقرة:214)
أيها المسلمون يا أبناء أرض الإسراء والمعراج :
إن شعبنا الفلسطيني الذي عانى ما يزيد على ستين عاما منذ النكبة الأولى في فلسطين ما زال يعاني آلام التشرد واللجوء ،وأثار العدوان المتكرر عليه في الوطن وخارج الوطن ويجري كل هذا ضمن مخطط يستهدف كسر إرادة هذا الشعب والنيل من صموده وإصراره على إحقاق حقوقه كافة فوق تراب وطنه الطهور.
إلا أن كل هذه الاعتداءات والمخططات باءت بالفشل وتكسرت على صخرة إرادة وصمود شعبنا الصابر المرابط "وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ..."(الأحزاب :25)
وأما شعبنا الصابر شعب التضحيات فنسأل الله تعالى أن يعوضه خير الجزاء في الدنيا وفي الآخرة في الدنيا بالعز والنصر والثبات وفي الآخرة بالمغفرة والرحمة والصلوات و صدق الله القائل" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" (البقرة:155-157).
ويقول جل جلاله:" وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (آل عمران : (169-170) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :" ما أحد يدخل الجنة ، يحب أن يرجع إلى الدنيا ، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد ، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة " رواه أنس بن مالك - أخرجه البخاري.
أو كما قال
فيا فوج المستغفرين استغفروا الله
 وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
 الخطبة الثانية :
الحمد لله الهادي الى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين .
وأشهد أن لا إله إلا الله أحب لعباده أن يعملوا لدينهم ودنياهم حتى يفوزوا بنعم الله وينالوا رضوانه وأشهد ان سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد أيها المسلمون يا أبناء ديار الإسراء والمعراج :إن عزيمة اطفالنا الرجال وفتياتنا الماجدات في غزة مدعاة للعز والافتخار فشعب هذه مواقف أطفاله لن يندثر ولن يركع إلا لله تعالى ولن يحيد عن طريق الحرية والحق حتى ينال كافة حقوقه المشروعة فوق هذه الارض الطاهرة التي رويت بدماء الشهداء الأبرار والمجاهدين الأخيار وأن شعبا يقيم الخيام مكان البيوت المدمرة ويلتصق بالارض لن يفرط بهذه الارض مهما كانت التضحيات وعز الفداء والعطاء فهذه ديار الآباء والاجداد التي باركها الله تعالى واستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون فكونوا اهلا لهذا الاستخلاف وحمل أمانة الدفاع عنها والمحافظة عليها .
وكما أن صورة التوحد التي أبداها شعبنا ومقاوموه فوق ثرى غزة الأبية ترسل رسالة واضحة لكل أبناء شعبنا في فلسطين إلى مزيد من الوحدة ورص الصفوف لا بل ترسل هذه الرسالة إلى شعوب الامة الإسلامية حيثما كانوا وأينما حلوا، هذه الشعوب التي خرجت إلى الساحات والشوارع تعبر عن دعمها لأبناء شعبنا رافضة مستنكرة للعدوان الآثم على قطاعنا الحبيب. فهلا أدركت أمتنا الإسلامية! أهمية الوحدة فعملت على توحيد صفوفها وهلا ادرك شعبنا الفلسطيني وفصائله أهمية توحيد الصف والموقف فسارع إلى توحيد صفه وجهده لاجتياز الاخطار والمخططات التي يسعى إليها المحتل لتصفية القضية الفلسطينية والقضاء على آمال شعبنا في الحرية والخلاص من الاحتلال .
لقد آن الاوان لكل شعوب أمتنا وساستها أن يدركوا أن عزة الأمة وقوتها في اجتماعها ووحدتها وأن ضعفها في فرقتها فالذئب كما أشار رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم يأكل من الغنم القاصية،وما أكثرذئاب العالم التي تتحفز لافتراس آمال أمتنا والابقاء عليها نهباً لاطماع الطامعين من المستعمرين والمحتلين.
أيها المسلمون يا إخوة الإيمان في كل مكان :
إن امتكم تمتلك من القدرات والطاقات والإمكانيات ما يؤهلها للقيام بدور فاعل في حماية شعوبها ومقدراتها ودفع الظلم والعدوان عن أبنائها،إذا استغلت هذه القدرات والطاقات وسخرتها لخدمة المصلحة العليا للأمة بعيدا عن المحاور أو المصالح الضيقة من قطرية وفصائلية وحزبية وغيرها من المعوقات التي تقف في وجه وحدة الامة وشعوبها.
ولنا في قول الله تعالى خير هادٍ ودليل فالله يقول"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ..."(آل عمران :103)
ويقول سبحانه:"واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين "(الأنفال :46)
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: مسلم - المسند الصحيح -
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس