ذكرى يوم الأرض
تاريخ الخطبة /  2009-04-03
 الخطبة الأولى :
إن الحمد لله،نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا، وحبيبنا، وشفعينا، وقائدنا، محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، وتركنا على بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلاة الله وسلامه عليك سيدي يا رسول الله، وعلى آلك الطاهرين، وأصحابك الغر الميامين، ومن سار على نهجهم، واتبع أثرهم، واستن سنتهم، إلى يوم الدين.
عباد الله؛ أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته ، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره، لقوله تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}(فصلت:46).
أيها المسلمون؛ أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس:
يا أبناء ديار الإسراء والمعراج :
في الأسبوع المنصرم مرت علينا ذكريات واضحة، من أبرزها يوم الأرض، وهل أيامنا في هذه الأرض المباركة إلا كلها أيام للأرض، أيام لإعمار الأرض، أيام للمحافظة على الأرض، أيام للمواجهة فوق هذه الأرض ، نعم يا إخوة الإيمان في كل مكان، ولعل هذه الأرض المباركة قد ارتبطت بتاريخنا الإسلامي وبعقيدتنا الإيمانية ارتباطاً وثيقاً تجعل كل لمحات الإنسان الذي يحيى فوق هذه الأرض لمحات إيمانية، لمحات يقف فيها الإنسان مستذكر ا يوم الفتح الأعظم يوم جاء صحابة رسول الله r مهللين مكبرين فاتحين لهذه الأرض المباركة الطيبة ، هذه الأرض التي رويت بدماء الشهداء الأبرار والصحابة الأخيار إيذانا بإسلاميتها مهما اشتدت الكروب وتوالت الخطوب.
يوم الأرض وأيام الأرض وما يجري فوق هذه الأرض من مؤتمرات على مستوى القمة العربية ومن حوارات على مستوى أبناء شعبنا الفلسطيني، وقبل هذا وذاك من هجمة شرسة على عقاراتها، على بوابات مدينتها المقدسة، على مساكنها وبيوتها، على بساتينها و أريافها، على مدنها وقراها ومخيماتها، كل ذلك يتم في أوقات متسارعة، بل أوقات لا يكاد المراقب لها أن يحصيها أو أن يتوقع ما يسفر عنه الغد.
 أيها المسلمون :
ولارتباط الأرض  بالعقيدة، ولارتباط الأرض بالأمة، ولارتباط الأرض بكل لقاءاتها واجتماعاتها، كان يجب أن توجه كل هذه اللقاءات، وكل هذه الاجتماعات، لخدمة هذه الأرض، ولرعاية هذه الأرض، ولحماية هذه الأرض وإلا ما الفائدة أن تكثر هذه الاجتماعات واللقاءات ولو كانت على مستوى القمة ومعاول الهدم تعمل ليل نهار، والاستيطان يزحف ليل نهار على أرضنا الفلسطينية الحبيبة، ما فائدة كل اللقاءات إن لم تترجم هذه اللقاءات إلى مواقف عملية إلى مواقف تصب في مصلحة حماية الأرض، وحماية الإنسان فوق هذه الأرض.
 أيها المسلمون يا أبناء ديار الإسراء والمعراج :
إن ارتباطكم بهذه الأرض، وتضحياتكم فوق هذه الأرض،  قد أذهلت العالم الذي وقف حائراً أمام كل هذا الصمود وهذا الصبر و وهذا الثبات وهذا الرباط في هذه الأرض المباركة وإذا كان يوم الأرض الذي وافق الثلاثين من آذار المنصرم، يحييه أبناء هذا الشعب، في جميع أرجاء الأرض الفلسطينية، يحيونه ليعبروا من خلال ذلك عن مدى تمسكهم وارتباطهم وانتمائهم لهذه الأرض الطاهرة المباركة، ولعله إذا كان الاحتلال قد فرق بين مواقع في الشعب الفلسطيني فكان هناك ما يعرف بأرض عام 48 وما يعرف بأرض 67، فإن يوم الأرض وإن الأرض وإن المعنى العظيم لهذه الأرض يوحد الإنسان ويوحد الهدف ويوحد مالك هذه الأرض  في هذه الأرض الطيبة المباركة معلناً لكل العالم بأن السنوات أو السنين وأن الحواجز والفواصل والقيود لا تمنع أبناء هذا الشعب أن يكون موحداًً بشعوره ومشاعره بعقيدته وآماله وتطلعاته نحو حرية هذه الأرض وحرية الإنسان فيها.
أيها المسلمون يا إخوة الإيمان في كل مكان :
من هنا حرص ديننا العظيم وإسلامنا الكريم على العناية بالأرض ورعايتها من خلال المحافظة عليها بالزراعة والإحياء والاستثمار، فقد قال رسولنا الأكرم r:" إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ" (مسند أحمد، باقي مسند المكثرين، باقي المسند السابق )  وقوله u " مَنْ زَرَعَ زَرْعًا فَأَكَلَ مِنْهُ الطَّيْرُ أَوْ الْعَافِيَةُ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ"(مسند أحمد، أول مسند المدنيين أجمعين،حديث السائب بن خلاد أبي سهلة)
  وقد حث الخلفاء من المسلمين والولاة أثناء الدولة الإسلامية على عمارة الأرض ورعايتها واستصلاحها، فقد أثر في الأثر أن رجلاً جاء إلى الإمام علي – كرم الله وجهه - فقال له لقد أحييت هذه الأرض وكانت خربة وأجريت عليها الماء و الأنهار، فقال له الإمام علي: كل هنيئاً طيبا إنما أنت مصلح أو معمر ولست مفسدا نعم أيها المسلمون لقد أولى الإسلام كل هذه العناية للأرض من حيث الاستصلاح ومن حيث الزراعة ومن حيث العناية وما ذلك إلا لتوفير قوام الغذاء والحياة لبني الإنسان فهل تقوم حياة في هذه الدنيا بلا غذاء وبلا ما يجده الإنسان ليعتاش به ومن خلاله ، لذلك رأينا الآيات الكريمة تتحدث عن الزرع وتتحدث عن الإنبات والنبات: { وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا}( النبأ:14-15) لنخرج بهذا الماء الطيب الثمار الطيبة لبني الإنسان { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } ( الأنعام:141)
نعم أيها الإخوة المؤمنون :
لقد امتن الله علينا بوسائل الحياة في هذه الأرض من خلال زراعتها ومن خلال إعمارها وتعميرها و هنا يزداد الواجب علينا في هذه الديار فبالإضافة إلى رعاية الأرض من حيث الزراعة والإنبات والاستصلاح وإحيائها بنصب واجب آخر وهو التمسك بها و المحافظة عليها وعدم التفريط بها مهما كانت المغريات ويحسن بنا هنا أن نبين أن هذه الأرض الطيبة المباركة أرض ديار الإسراء والمعراج هي أرض وقفية هي أرض خراجية على مصالح المسلمين كافة ولذلك حرص عليها المسلمون الأوائل وسلموها لنا أمانة لنسلمها للأجيال القادمة غير منقوصة غير مباعة أو نسمح لمن يسمسر عليها أن يخرجها من ملك المسلمين وعن حوزة المؤمنين.
نعم أيها المسلمون :
 يا أبناء ديار الإسراء والمعراج :
يا أبناء هذه الأرض الطيبة التي تشاهدون في كل يوم من أيامكم مزيداً من التحدي الذي يحاول من خلاله المحتل أن يمتلك هذه الأرض وأن يصادر هذه الأرض وأن يغير وجه هذه الأرض وأن يطمس تاريخ هذه الأرض، فأنتم الصابرون ، وأنتم المرابطون الذين تقومون بهذا الواجب، وتؤدون هذه الأمانة، التي استأمنكم الله عليها، فاحرصوا جميعا أن تكونوا المرابطين فيها، والمحافظين عليها، والمتمسكين بها، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، حيث إنكم أيها المسلمون بالتفافكم حول هذه الأرض، وحول قلب هذه الأرض، هذا المسجد المبارك تؤدون واجبا عن كل المسلمين في حماية هذا الثغر الإسٍلامي ، هذا الثغر  الإيماني، ديار الإسراء والمعراج.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهبنا العزيمة والثبات، وأن يلهمنا في هذه الأرض كل العزائم حتى نكون المرابطين بكل جدارة وحتى نكون المحافظين على الأمانة جاء في الحديث الشريف عن رسول الله r:" كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى" (مسند أحمد، باقي مسند المكثرين، باقي المسند السابق)  أو كما قال:
فيا فوج المستغفرين استغفروا الله
 وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
 
 الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله أحب لعباده أن يعملوا لدينهم ودنياهم حتى يفوزوا بنعم الله وينالوا رضوانه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اقتدى واهتدى بهداهم إلى يوم الدين ، وبعد أيها المسلمون...
مما جرى في الأيام القريبة الماضية حوار بين الفصائل في القاهرة، أهل هذه الديار المباركة، أهل هذه الديار التي تنتظر من أبناء فصائلها، بل تنتظر من كل أبناء شعبها أن يكونوا صفا واحدا، وأن يكونوا كلمة واحدة، وأن يكونوا عنوانا لهذه الأرض الطيبة المباركة، يدافعون عنها، ويحافظون عليها، ويذودون عنها نوائب الدهر وغوائل الأعداء، هذا الحوار الذي طال انتظار الشعب لنتائجه، ولغاية هذا اليوم لم يسفر عن النتائج المرجوة، ولم يسفر عن النتيجة والهدف الذي يسعى إليه أبناء شعبنا الفلسطيني، أما آن الأوان أيها الإخوة المتحاورون ، أما آن الأوان أن ترتفعوا إلى مستوى مسؤولياتكم، وأن ترتفعوا إلى مستوى عزة وكرامة هذه الأرض،وأهمية هذه الأرض المباركة التي شرفها نبيكم u بإسرائه ومعراجه منها، فكانت لذلك جزءاً من عقيدتكم، هذه الأرض التي جاءها الصحابة الأبرار، مهللين، مكبرين، فاتحين، معلنين تنفيذ القرار الرباني، بإسلامية هذه الديار، ومسجدية مسجدها الأقصى المبارك، الذي ذكره الله بآية من القرآن الكريم، وسورة من آي الذكر الحكيم، تتلونها صباح مساء،{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }(الإسراء:1)، هذه الديار ؛ ديار الإسراء والمعراج، هذه الديار أمانة الفاروق عمر، ومحررة صلاح الدين، هذه الديار التي يرقد فيها صحابة رسول الله r، عند الجدار الشرقي، من المسجد الأقصى المبارك، شداد وعبادة، هذه الديار التي احتوت وحفظت في أرضها، وفي تاريخها، وفي بطن كتبها، وفي مدارسها، آثارها الثقافية التي تعد متحفا للثقافة والتاريخ والحضارة، يحتفلون بالقدس في عالم العروبة والإسلام، بأنها مدينة الثقافة لهذا العام الميلادي 2009، وهي بواقع الأمر مدينة الثقافة والحضارة، والدين والعزة والكرامة، على امتداد تاريخها الإسلامي، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
 أيها الإخوة المسلمون، إزاء هذه الحوارات التي لم تصل إلى النتائج المرجوة بعد، وإزاء هذه المؤتمرات التي تعقد، والتي لم تترجم قراراتها وتوصياتها إلى أفعال على أرض الواقع، ماذا يجري في الجانب الآخر، في جانب الاحتلال، الذي يدخل إلى بيوت القدس القديمة، ليصادرها من أهلها، ويرفع عليها أعلام الاحتلال، هذا الاحتلال يزحف وفي هجمة غير مسبوقة، على عقارات أحياء القدس، في الشيخ جراح، وفي جبل الطور، وفي شعفاط، ورأس خميس، وفي حي البستان في سلوان، وفي حي العباسية، وفي العيسوية ، ويهدم البيوت في كل أرجاء المدينة، وأكثر من ذلك؛ يحاول أن يمنع الناس أن يسكنوا في بيت من غير ترخيص، من جانب السلطات الإسرائيلية، ليلاحقهم بالعقوبات وغيرها، في هذا الجانب تجري كل هذه الهجمة، التي تحتاج منا جميعا أن نكون صفاً واحداً، وأن نتعاون في بيت المقدس، وفي أكناف بيت المقدس، أن نتعاون على دفع هذا البلاء الذي يداهم هذه المدينة المقدسة، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، أما آن الأوان أيها الإخوة في الأرض الفلسطينية وهناك في الأرض العربية بل و في الفضاء الإسلامي وفي هذا الفضاء العالمي أن تتنبهوا لما يحاك أو يخطط لأرضنا وشعبنا ومستقبل أجيالنا لعل في هذه الذكريات العظيمة ما يحث أبناء الأمة وأبناء شعبنا على وجه الخصوص إلى مزيد من التراص وإلى مزيد من الوحدة، وإلى مزيد من البذل والعطاء، وإلى مزيد من التصدي لإفشال كل هذه المخططات الرامية إلى طمس وجه هذه الأرض الطيبة، هذه الأرض الإسلامية ، هذه الأرض التي منحتنا وتمنحنا الهوية الإسلامية،التي نعتز بها،  بأن كنا المرابطين في هذه الديار المباركة، وأن نعتز بها حتى نكون إن شاء الله الفئة الصابرة، الفئة الصادقة التي تغدو إلى هذا المسجد وتروح، كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام حينما استفتي في بيت المقدس ، فقيل يا رسول الله: " أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ قَالَ فَتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ"(سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة والسنة فيها، ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من عمار المسجد الأقصى المبارك، وأن نكون من المرابطين في القدس الشريف ومن الصابرين الثابتين إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى أن نلقى رسولنا الأكرم r على حوضه الشريف  لنشرب شربة من يده الكريمة الشريفة لا نظمأ بعدها أبداً.
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس